اشترك مجانا بقناة الديار على يوتيوب

تشكل ساحة الجنوب اليوم إحدى أبرز ساحات التنافس بين الولايات المتحدة الاميركية وفرنسا، ليس فقط على مستوى النفوذ السياسي، بل أيضاً على مستوى رسم معالم النظام الأمني والسياسي الجديد في شرق المتوسط، حيث لم تعد المواجهة مرتبطة حصراً بمصير وجود الكتيبة الفرنسية على الارض، بل باتت تتصل مباشرة بالسؤال الأهم: من سيمسك بمفاتيح إدارة التوازن الأمني على الحدود اللبنانية ـ الإسرائيلية في مرحلة ما بعد الحرب؟

ففيما تنظر واشنطن إلى الجنوب باعتباره جزءاً من منظومة أمن إقليمية أوسع، تمتد من إسرائيل إلى سوريا والعراق وصولاً إلى الخليج، تعتبر باريس أن وجودها العسكري ليس مجرد مساهمة أممية، بل هو آخر موطئ قدم فرنسي فعلي في المشرق، بعد خسائرها الاستراتيجية في أفريقيا وتراجع نفوذها دوليا.

مصادر دبلوماسية أشارت إلى إدراك الايليزيه بأن البيت الابيض لا يريد بالضرورة إخراج فرنسا من الجنوب، لكنه يسعى إلى نقل مركز القرار الأمني والعسكري بالكامل إلى المظلة الأميركية، وهو ما بدأه مع "الميكانيزم"، الخاضعة لمنطق الردع المباشر والتنسيق الأمني الصارم، ما لم يتلاءم مع مفهوم باريس لنموذج "القوة الدولية الوسيطة".

تباين بدا واضحا مع الحراك الفرنسي المكثف في الاشهر الأخيرة، سواء عبر الاتصالات مع المسؤولين اللبنانيين أو من خلال الضغط لإصدار موقف لبناني رسمي يطالب ببقاء القوات الفرنسية، وسط الحاجة إلى "شرعية لبنانية" للاستخدام في مواجهة المشروع الأميركي، حيث كشفت المصادر أن باريس أبلغت الجانب اللبناني، عبر قنوات ديبلوماسية وسياسية، بضرورة أن تبادر الحكومة اللبنانية إلى إصدار بيان رسمي وواضح يطلب بقاء القوات الفرنسية العاملة ضمن إطار اليونيفيل في الجنوب.

واعتبرت المصادر أن مثل هذا الموقف يشكل ورقة أساسية في أي تفاوض دولي حول مستقبل القوات الدولية بعد انتهاء ولايتها الحالية، خصوصا أن أكثر من دولة أوروبية معنية بذلك، لافتتا، إلى أن وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو بحث هذا الملف مع نظيره الفرنسي قبل أيام، في إطار مشاورات تتناول شكل المرحلة المقبلة على الحدود الجنوبية، ودور القوات الدولية فيها، وسط مخاوف أوروبية من أي فراغ أمني قد يفتح الباب أمام مزيد من التصعيد.

ورأت المصادر، أن بيروت المحرجة، بسبب حاجتها إلى الغطاء الفرنسي على الساحة الدولية، لا تستطيع في المقابل تجاهل الضغوط الأميركية المتزايدة المرتبطة بالمساعدات العسكرية والمالية وبالملفات السيادية والأمنية، لذلك يبدو الموقف اللبناني حتى الآن أقرب إلى سياسة شراء الوقت، عبر تجنب الانحياز الكامل لأي من الطرفين.

وتوقعت المصادر أن المرحلة المقبلة ستشهد تصعيداً ديبلوماسياً هادئاً بين باريس وواشنطن، رغم رجحان موازين القوة لمصلحة الولايات المتحدة، بحكم نفوذها العسكري والسياسي المباشر في المنطقة، والموقف الاسرائيلي النافر، مشيرة إلى أن فرنسا تراهن على عاملين لبنانيين أساسيين: الحاجة إلى قوة أوروبية تمنع الانفجار الشامل، ورفض أي ترتيبات أمنية تُفسَّر داخلياً على أنها تطبيع غير مباشر مع إسرائيل.


الأكثر قراءة

اسبوع المواعيد الحاسمة...اولوية لبنان وقف النار! رهان على «خط ساخن»مع روبيو...ماذا عن الجيش؟