اشترك مجانا بقناة الديار على يوتيوب

لم يعد خافياً أن لبنان يقف اليوم أمام مرحلة شديدة الخطورة، مرحلة تنذر بالتفكك والانهيار على أكثر من مستوى. فالدولة تعاني اهتزازاً عميقاً في قدرتها على فرض القانون وتطبيقه بصورة عادلة وشاملة، والاقتصاد لا يزال يعيش واحدة من أخطر الأزمات والانهيارات في تاريخ البلاد، فيما يزداد المشهد الاجتماعي تفككاً تحت ضغط العصبيات الطائفية والمذهبية والانقسامات السياسية الحادة.

لكن الأخطر من كل ذلك، هو حالة التفكك القيمي والأخلاقي التي بدأت تتسلل إلى المجتمع، إلى جانب مظاهر التفلت من القانون، وثقافة “كلٌّ يفعل ما يريد”، وكأن الدولة لم تعد المرجعية الجامعة القادرة على تنظيم الحياة العامة وحماية الناس وفرض هيبة المؤسسات.

في ظل هذا الواقع الخطير، يصبح النداء الأساسي والجوهري اليوم: تفضّلوا جميعاً إلى مشروع بناء الدولة. لأن بناء الدولة أصبح شرطاً لحماية الوطن، وحماية أمان اللبنانيين واستقرارهم ومستقبلهم، وحماية أي فرصة فعلية للنهوض والازدهار.

في لحظات التحولات الكبرى التي تمر بها الأمم، يصبح السؤال المركزي: كيف نحمي الوطن وكيف نبني الدولة؟

لبنان اليوم يقف أمام مفترق دقيق، بين منطق الإنهاك والانقسام والفوضى، وبين فرصة جدية تتمثل بعهد الرئيس جوزاف عون لإعادة ترميم الدولة ومؤسساتها واستعادة الثقة الداخلية والخارجية به. ومن هنا، فإن أي خطاب سياسي أو إعلامي أو وطني مسؤول، يجب أن ينطلق من فكرة واحدة واضحة: تفضّلوا جميعاً إلى مشروع بناء الدولة.

إن بناء الدولة لا يكون بالشعارات ولا بالمزايدات ولا بلغة التخوين، انما بالالتقاء حول المؤسسات الشرعية والدستور واتفاق الطائف، وبإعطاء الأولوية للاستقرار، وللقانون، وللمصلحة الوطنية العليا بعيداً عن الحسابات الضيقة والفئوية.

ولعلّ المرحلة الحالية، بما تحمله من تحديات وضغوط، تفرض على الجميع إعادة النظر في طبيعة الخطاب السياسي والإعلامي. فلبنان لم يعد يحتمل المزيد من الانقسامات العمودية، ولا المزيد من الاستثمار في العصبيات الطائفية والمذهبية، لأن أي اهتزاز داخلي إضافي سيدفع ثمنه جميع اللبنانيين دون استثناء.

إن مشروع الدولة يبدأ أولاً بدعم مؤسساتها الشرعية، وفي مقدّمها الجيش اللبناني والقوى الأمنية والقضاء، باعتبارها الضمانة الأساسية للاستقرار وحماية الناس وهيبة القانون. كما يبدأ بإعادة بناء الثقة الاقتصادية والمالية، واستعادة دور المصارف ضمن إطار قانوني عادل وشفاف يحفظ حقوق المواطنين والمودعين ويعيد تحريك الاقتصاد والاستثمارات والسياحة.

وفي الوقت نفسه، لا يمكن الحديث عن استقرار فعلي من دون استكمال تحرير الأراضي اللبنانية المحتلة، واستكمال انتشار الجيش اللبناني وحصر السلاح، وإعادة الإعمار وعودة الأهالي إلى قراهم، ضمن رؤية وطنية متوازنة تحفظ سيادة لبنان واستقراره ومصلحته العليا.

لبنان يمتلك كل المقومات للنهوض: شعباً مبدعاً، وطاقات بشرية هائلة، وانتشاراً لبنانياً مؤثراً في العالم، وقطاعاً خاصاً قادراً على إعادة تحريك الاقتصاد متى توفرت الثقة والاستقرار. لكن كل ذلك يبقى معلقاً على شرط أساسي: قيام دولة قوية، عادلة، وقادرة.

ربما تعب اللبنانيون من كثرة المشاريع والشعارات والوعود. لكن مشروع الدولة أصبح شرطاً لبقاء لبنان نفسه. ولهذا، فإن المطلوب اليوم ليس أن ينتصر فريق على آخر، انما أن ينتصر منطق الدولة على منطق الفوضى.

تفضّلوا جميعاً إلى مشروع بناء الدولة، لأن البديل ليس سوى المزيد من التفكك والانهيار.


الأكثر قراءة

ترامب يستغيث بالتنين لا بالحاخام