لا حرج في القول أن ما نسمعه أحياناً في هذه الأيام، على لسان رؤساء ووزراء وأعضاء في المجلس النيابي، وآخرين من "نجوم الحقل العام"، ناهيك من رجال دين، هو صادم ومدهش . فيخيّل للمرء أن المتكلمين يستهينون بما تتعرض له البلاد، من قتل جماعي ودمار شامل، انطلاقاً من منطقة جبل عامل، دلالة واضحة على نوايا خبيثة يضمرها المستعمرون ـ الاستيطانيون الاميركيون ـ "الإسرائيليون" في فلسطين ضد وجود الناس، في سياق السعي إلى استكمال مشروع السيطرة على "المدى الحيوي" المرغوب، في بلاد الشام والعراق، الضروري في نظر الولايات المتحدة و"إسرائيل"، على رقعة الشطرنج الدولية.
فما هو مرد هذه الاستهانة ؟ سؤال محيّر، يعتقد الجميع او الكثيرون، أنهم يعرفون الإجابة عليه، ولكنهم لم يتصوروا في أغلب الظن، أن المسافة بين التوقعات من جهة وتحقّقها الفعلي على ارض الواقع من جهة ثانية، ستضيق الى الحد الذي بلغته في الظروف الراهنة.
يخطر بالبال في سياق مقاربة هذه المسألة أساطير، كانت تقرأ في الماضي في المدرسة الرسمية، وتروى في حلقات الموقد العائلي في الشتاء. كأمثولة الثعلب الجائع والطبل في كتاب كليلة ودمنة، الذي انخدع بصوت وحجم الطبل، فظن أن ذلك عائد إلى السمنة والدسم الذي يملأ جوفه، فراح يحركه ويقلبه في كل اتجاه، حتى انشق جلده وظهر خواؤه، وظهرت الحقيقة أمامه "تخفي الاحجام الكبيرة والأصوات المتعالية غالباً الخلو"..
وفي السياق نفسه، يذكرنا الوضع السائد في لبنان، بحرب بين طائر البوم والغربان، كما جاءت في الكتاب المذكور . تقول الأسطورة أن جماعة من الغربان تأوي إلى شجرة باسقة تعرضت لاعتداء كبير من جانب جماعة من البوم، تلجأ نهاراً إلى شجرة وارفة الظل تقع في الجوار ، نجم عنه خسائر جسيمة بين "قتيل وجريح" لدى الغربان. فهال الأمر ملكهم الذي دعاهم إلى اجتماع طارئ عام للتشاور فيما بينهم،استناداً إلى أن العدوان المفاجئ وغير المبرر يتكرر عادة، ومن المحتمل أن تكون نتائجه في المرات القادمة أشد إيلاماً .
كان معلوماً لدى الجميع، أن بينهم خمسة غربان عقلاء، فطلب منهم الملك الحضور امام الجمعية العامة لإبداء الرأي :
ـ فقال الأول: لا خيار أمام عدو غاشم وغادر، لا قدرة لنا على ردعه، إلا النزوح إلى مكان بعيد عنه..
ـ وقال الثاني: الرأي عندي أن نصمد في موطننا ونرفض الاستسلام للعدو ، وبالتالي علينا أن نستعد فنستجمع قوانا ونطورها، ونحصن مواقعنا ونراقب عدونا، لكشف خطته حتى إذا هاجمنا مرة أخرى، اشتبكنا معه وقاومناه بلا هوادة ما بقينا، لعلنا نكتشف نقاط ضعفه، أو نتمكن من خديعته والانتصار عليه.
ـ أما المستشار الثالث فقال أنه لا يوافق على أفكار رفيقيه، وانه يرى أن الصراع ضد جماعة البوم، لن يوصل إلى الصلح معهم مهما طال الزمن. وبالتالي يحسن البحث عن وسائل لمعرفة إذا كان الأعداء يقبلون التوصل إلى اتفاقية سلام، وما هي الشروط التي يضعونها.
ـ ثم جاء دور الرابع الذي أعلن أنه يرفض كل الحلول التي اقترحها زملاؤه، لان الذل والمهانة أمام عدو لئيم وخسيس هما أصعب، من ترك الديار وتحمل مشقات العيش في المنفى. فمثل هذا العدو لا يقبل السلام والصلح، الا بشروط مجحفة. لقد قيل بهذا الصدد، لا تتنازل أمام عدوك، إلا ضمن الحد الأدنى والضروري، فان أعطيته كل ما تملك من وسائل قوتك ازداد جشعاً، وأبادك كما تباد "الحشرات البشرية".
ـ وأخيرا أعطي الكلام للمستشار الخامس الذي قال أنه ليس منطقياً أن تقاتل عدواً وجهاً لوجه، إذا كان متفوقاً عليك قوة وعدداً، لذا يجب ان تتوخى دائماً الحذر من غدره، فإبقاء زمام المبادرة بيده، يؤدي حتماً الى الخسارة. ينبني عليه أنه لا يجوز في جميع الأحوال، أن نأمن جانب العدو، فإن كان بعيداً عنا يمكن أن يقترب، وإن كان مهزوماً من المحتمل ان تكون هذه الهزيمة خديعة، وإذا كان قريباً فهذا يعني أن الهجوم وشيك. إن العاقل لا يدخل الحرب إلا إذا كان مجبراً، ففي الحرب تزهق الأرواح التي لا تعوض.
استنادا عليه، إن القرار الصائب يعتمد على آراء المفكرين والعقلاء من جهة، وعلى تقييم دقيق لإمكانيات العدو وطاقة احتماله، بالإضافة إلى استغلال الظروف المواتية للمواجهة والمكان المناسب ورسم الخطة الصحيحة، وتعيين مواقع المراقبة اللازمة ومواضع الكمائن المربكة.
مجمل القول أني ضد الحرب وضد الإذعان وضد قبول دفع الجزية وضد التبعية. ولكن تجدر الملاحظة بان قرار الحرب يكون حاسماً، وهو في الصميم قرار فكري اجتماعي لا تردد فيه، ومن شروط فعاليته أيضاً حفظه سراً لا يصل إلى علم العملاء وذوي الإرادة الضعيفة والجبناء.
يتم قراءة الآن
-
“المركزي” سيُمّدّد العمل بالتعميمين ١٥٨ و١٦٦ من أول تموز
-
نتنياهو يُهدّد ترامب بالموساد ؟
-
استهداف الجيش اللبناني: هل بدأ فصل أخطر من الحرب؟ الى اين ستصل المفاوضات... وما هي اهدافها الاخيرة؟
-
المقاومة تستعدّ للأسوأ... هذه شروط الإلتزام بوقف النار؟ تشكيك بالنوايا الأميركيّة.. ورفض قواعد الإشتباك الجديدة!
الأكثر قراءة
عاجل 24/7
-
23:56
حزب الله: قصفنا بالمدفعية على 3 دفعات تجمعا للعدو الإسرائيلي في محيط قلعة الشقيف جنوبي لبنان
-
23:48
التلفزيون الإيراني عن عراقجي: تواصلنا مع قائد الثورة مجتبى خامنئي مستمر وتصلنا توجيهاته في وقتها ونتبعها بدقة
-
23:47
التلفزيون الإيراني عن عراقجي: إيران وسلطنة عمان ستنظمان إدارة مضيق هرمز وفقا لقواعد القانون الدولي
-
23:47
التلفزيون الإيراني عن عراقجي: سنتبادل وجهات النظر بشأن إدارة هرمز مع دول الجوار لكن القرار نتخذه نحن وعمان
-
23:45
غارات إسرائيلية على مدينة صور
-
23:43
الجيش يوقف عددًا من المتورطين في إشكال تَخلله إطلاق نار أدى إلى إصابة ٣ أشخاص أحدهم بحالة خطرة في منطقة عائشة بكار
