سياسة "الشيء ونقيضه" التي يتّبعها الرئيس الأميركي دونالد ترامب والتي هدفها إرباك "الخصم" هي في الواقع تعبير عن تردد أميركي بين خياري الحرب والتفاوض. وهي سياسة في اللحظة الراهنة لا تنتج لا حربا ولا سلما بانتظار "التوليف" بين مطالب أميركية وايرانية متعارضة يسعى جاهدا الوصول إليها الوسيط الباكستاني الذي يحاول أن لا يكون فقط "ناقل رسائل" وإنما صاحب اقتراحات وملاحظات يأمل أن تلقى قبولا مزدوجا في واشنطن وطهران. فالوسيط الباكستاني يستفيد من كونه على علاقة جيدة بكل من الولايات المتحدة الأميركية وايران وروسيا والصين ويشكّل شبكة أمان للمملكة العربية السعودية خصوصا ودول الخليج عموما. وهي الدول الأكثر تضررا من الحرب الأميركية على ايران كونها أصبحت إحدى ساحاتها الجغرافية والنفطية والبحرية والإقتصادية بنتائجها المدمّرة على كونها الملاذ الآمن الاقتصادي والمالي للشركات العالمية والمتعددة الجنسية.
وبقدر ما تطول مرحلة "اللاحرب ولا سلم" فإن الوقت يجعل من الحرب الأميركية – الاسرائيلية على ايران تدخل في شبكة تعقيدات دولية وتوسّع من ساحاتها المحتملة مستقبلا وخصوصا في ظل تشابك الأزمات وهي:
أولا: أزمة الحرب الروسية – الأوكرانية وما أفضت إليه من إعطاء أوروبا الغربية وضعية اعتبار أوكرانيا تنوب عنها في مواجهة ما تسميه التهديد الروسي لها في الجغرافيا والسياسة والإقتصاد والدور ووحدة الإتحاد الأوروبي ومعه حلف الناتو وتحكّم واشنطن بالأسلحة التي تريدها أوكرانيا. وكل ذلك من نتائجه "عسكرة أوروبا" وإعطاء الأولوية للموازنات العسكرية وما تستتبع من انعكاسات سلبية اجتماعية وتضخّم مالي وتذمّر شعبي وبروز "نزعات فاشية" خصوصا وأن واشنطن لم تكن براضية عن عدم تلبية الدول الأوروبية لها في مساندتها في الحرب على ايران ولا الإلتزام معها في الحصار البحري للمرافئ الايرانية. وكل ذلك يعبّر عن إحراج أوروبي يفاقمه إغلاق مضيق هرمز وتستفيد منه موسكو في كونها حاليا المصدر الأول للنفط الذي تحتاجه الدول الأوروبية وخصوصا أن مخزوناتها من النفط والغاز في تضاؤل شديد وملفت.
وثانيا: أزمة تايوان بين واشنطن وبكين بحيث اضطر الرئيس الأميركي دونالد ترامب تحت وطأة مضيق هرمز وحاجته إلى تحييد الصين عن دعم حليفها الايراني إلى تجميد تزويد تايوان بأسلحة متطوّرة بمبلغ ١٢ مليار دولار كتعبير عن حسن نيّة أميركية سيّما بعد أن أغدق الرئيس الصيني شي جين بينغ بـ٢٣ ألف مليار دولار أميركي عقودا مع الشركات الأميركية المتعددة الجنسية فأفسح في المجال إلى أن تكون هذه الشركات في مثابة "لوبي ضاغط" لخيار المفاوضات بين واشنطن وطهران في مواجهة لوبي الحرب في الولايات المتحدة الأميركية وعلى رأسه المجمّع الصناعي العسكري وغلاة التطرّف. فالصين هي لمخرج سلمي على مضيق هرمز وفي الملف النووي وهي تدعم فكرة المفاوضات المباشرة وتبدي استعدادها لتكون "الشريك الضامن" للطرفين الأميركي والايراني في معالجة الفائض النووي وإيداعه لديها وذلك أنها مقتنعة بأن ايران لن تسلّمه إطلاقا للولايات المتحدة الأميركية وأنها فقط تودعه لدى طرف ثالث تثق به. وهذه حقيقة يعرفها جيدا الوسيط الباكستاني المتعاون مع بكين لانتزاع مرونة أميركية وايرانية تحت مسمّى "إعلان إسلام أباد" يسعى إليه قائد الجيش الباكستاني عاصم منير ورئيس المخابرات الباكستانية عاصم مالك مع معرفة مسبقة بالسقف العالي للمطالب الأميركية والايرانية على السواء والتي تتطلّب وقتا طويلا.
وثالثا: المفاوضات اللبنانية – الاسرائيلية هي بدورها موصولة بنتائجها بما تفضي إليه المفاوضات على المسار الأميركي – الايراني خصوصا وأن طهران تربط إنهاء الحرب بوقفها في لبنان وبالإنسحاب العسكري الاسرائيلي كما تلمّح إلى تعويضات مالية للبنان عبر الرسوم على مضيق هرمز. وأما التعويل الرسمي اللبناني في المفاوضات فهو على الضغوط الأميركية التي يمكن أن تمارسها واشنطن على المفاوض الاسرائيلي. ومثل هذه الضغوط تبقى محدودة في نتائجها طالما المسار الأميركي – الايراني بقي متعثرا ما يعطي لرئيس الحكومة الاسرائيلية بنيامين نتنياهو هامشا واسعا في سياسات الإعتداءات العسكرية وفي تدمير القرى الجنوبية وتهجير المدنيين وعدم الإلتزام بقرار وقف النار. وكل ذلك يستتبع بدوره حذرا شديدا من الرئيس اللبناني العماد جوزاف عون ليضع سقفا للمفاوض اللبناني بالإلتزام بالهامش الذي أعطاه إياه حتى تنفّذ اسرائيل ما يترتّب عليها من وقف للنار والإنسحاب العسكري وعودة المهجرين وإعادة الإعمار. وأما اللقاء مع نتنياهو فالوصول إليه مرهون بالمبادرة العربية للسلام وقبول اسرائيل بها والإلتزام بانسحابها من كافة الأراضي العربية المحتلة وتحقيق الدولة الفلسطينية بعاصمتها القدس الشرقية. وهذا يعني أن الجنوب اللبناني موصول بدوره بأمرين: بمضيق هرمز وبأزمة الشرق الأوسط التي تبقي المنطقة قابلة للتفجير في أي لحظة ما لم يتم المخرج لها واعتبار أن الحرب الأميركية – الاسرائيلية على ايران كانت في الأساس "هندسة اسرائيلية" استدرج فيها رئيس الحكومة الاسرائيلية بنيامين نتنياهو الولايات المتحدة الأميركية لإسقاط الدولة الايرانية التي يعتبرها العائق الحقيقي أمام تحوّل اسرائيل إلى قوة عالمية عظمى تهيمن على دول المنطقة والمحيط في السياسة والإقتصاد والنفط وحتى في القرار.
ختاما: هذه المعطيات مجتمعة أخذها قائد الجيش الباكستاني في صياغة "إعلان إسلام أباد" أي "إعلان النوايا" وتقريب المسافات بين الرئيس دونالد ترامب والحرس الثوري.
الأكثر قراءة
عاجل 24/7
-
23:58
بلدية الصرفند حذرت الأهالي من التجمعات تجنبا لغدر العدو
-
23:55
"تسنيم": الأميركيون يمتلكون سجلاً سيئاً للغاية في المفاوضات وهو ما يعزز ويرسخ حالة التشاؤم
-
23:55
"تسنيم": في حال نقضت أميركا للعهود فإن إيران ستحتفظ بأوراق الضغط والمهام الكفيلة بمواجهة ذلك
-
23:54
"تسنيم": حتى لو تم التوصل إلى تفاهم أولي فذلك لا يغير نظرة إيران إلى أميركا أو الاطمئنان حيال تنفيذ هذه الإدارة لالتزاماتها
-
23:40
"تسنيم": هناك احتمالية لعدم التوصل إلى تفاهم
-
23:38
"تسنيم": في حال عدم الإفراج عن الأموال المجمدة فإن ذلك يعني عدم مراعاة أحد الخطوط الحمراء الإيرانية ولن يكون هناك أي تفاهم
