اشترك مجانا بقناة الديار على يوتيوب

حذّرت صحيفة "الغارديان" من تسارع وتيرة تفكك الفضاء الرقمي العالمي مع توسع الدول الاستبدادية في فرض القيود على الإنترنت وعزل مواطنيها عن الشبكة المفتوحة، في اتجاه يهدد بتحويل العالم الرقمي إلى مجموعة من الشبكات المنفصلة والخاضعة لسيطرة الحكومات.

وترى أن الصين لم تعد مجرد دولة تمارس الرقابة على الإنترنت داخل حدودها، بل أصبحت نموذجًا يُحتذى به لدى العديد من الأنظمة الساعية إلى إحكام السيطرة على تدفق المعلومات وحرية التعبير، ما يساهم في ترسيخ ظاهرة "الإنترنت المجزأ" على نطاق عالمي.

تتباهى الصين بامتلاكها أكبر عدد من مستخدمي الإنترنت في العالم، إذ بلغ عددهم 1.125 مليار مستخدم بحلول نهاية عام 2025 وفق الأرقام الرسمية. 

إلا أن هذا الحجم الهائل من المستخدمين يعمل داخل فضاء رقمي يخضع لقيود صارمة يفرضها "جدار الحماية العظيم"، الذي لا يقتصر على حجب المحتوى السياسي الحساس فحسب، بل يمتد ليشمل منصات وشركات تكنولوجيا عالمية كبرى مثل جوجل وميتا.

وتشير "الغارديان" إلى أن ما نشأ داخل الصين يشبه إلى حد كبير أكبر شبكة "إنترنت" مغلقة في العالم، حيث يتم توجيه المستخدمين نحو منظومة رقمية محلية تخضع لإشراف الدولة.

ولم تعد بكين حالة استثنائية، بل أصبحت رائدة في تصدير نموذج "السيادة السيبرانية" الذي يصفه منتقدون بأنه منظومة متكاملة للرقابة والقمع الرقمي. فمن خلال مؤتمر الإنترنت العالمي وغيره من المبادرات، تعمل الصين على إضفاء الشرعية على الرقابة الحكومية الواسعة، وتزويد الحكومات بالأدوات القانونية والتقنية والخبرات اللازمة للتحكم في الفضاء الإلكتروني.

توسيع النفوذ الرقمي

تؤكد الصحيفة أن الصين تجني مكاسب سياسية وتجارية من تصدير تقنيات الرقابة إلى الخارج، مشيرة إلى اعتقاد واسع بأن إيران تستخدم بالفعل تقنيات صينية في إدارة فضائها الرقمي.

وفي خريف العام الماضي، كشف تسريب معلومات أن شركة "جيدج" الصينية، المرتبطة بأحد أبرز مهندسي منظومة الرقابة الصينية المعروف بلقب "أبو جدار الحماية العظيم"، قامت بتسويق وبيع تقنيات رقابية إلى عدد من الدول، من بينها إثيوبيا وباكستان وميانمار.

كما كشفت منظمة "المادة 19" الحقوقية أن الشراكات الصينية في مجالات البنية التحتية الرقمية وحوكمة الإنترنت أسهمت في تعزيز الممارسات الاستبدادية في عدد من دول منطقة المحيطين الهندي والهادئ، ما يعكس اتساع النفوذ الصيني في رسم معالم البيئة الرقمية العالمية.

وفقًا لتقرير منظمة "أكسس ناو" وتحالف "#KeepItOn"، شهد العام الماضي ما لا يقل عن 313 حالة انقطاع للإنترنت في 52 دولة، وهو أعلى رقم يتم تسجيله حتى الآن. 

وغالبًا ما تقع هذه الانقطاعات خلال فترات النزاعات أو الاحتجاجات أو الأزمات السياسية، حيث يتحول حرمان المواطنين من الوصول إلى المعلومات إلى أداة للسيطرة والقمع.

وتستشهد الصحيفة بحالة إيران التي عادت جزئيًا إلى الإنترنت بعد انقطاع استمر 88 يومًا، إلا أن القيود المستمرة ما زالت تثير استياء المواطنين. 

كما تشير إلى أن عزل السكان عن العالم الخارجي لا يقتصر تأثيره على الجانب السياسي، بل يحمل تبعات اقتصادية كبيرة قد تؤدي إلى زيادة السخط الشعبي.

وفي الوقت الذي تعتمد فيه الصين نموذجًا متطورًا للرقابة الرقمية، تسعى دول أخرى إلى السير على النهج ذاته. ففي إيران، استمر المستخدمون في الوصول إلى خدمات محلية خاضعة لإشراف الدولة، مثل تطبيقات المراسلة ومنصات مشاركة الفيديو المحلية.

أما روسيا فتتجه نحو اختبار نظام "القائمة البيضاء" الذي يتيح الوصول فقط إلى المواقع المعتمدة رسميًا، إلى جانب دفع المستخدمين نحو تطبيق "ماكس" المدعوم من الدولة كبديل لواتساب وتليجرام اللذين يواجهان قيودًا متزايدة.

غير أن الغارديان ترى أن موسكو قد تجد صعوبة في تكرار التجربة الصينية، إذ نجحت بكين في تطوير منصات محلية يعتبرها كثير من المستخدمين منافسة حقيقية، بل وأحيانًا أكثر جاذبية من نظيراتها الغربية، كما هو الحال مع تطبيق "وي تشات" متعدد الخدمات.

وفي ختام افتتاحيتها، تؤكد الصحيفة أن تزايد قدرة الحكومات على تقييد الإنترنت بتكاليف أقل واهتمام دولي متراجع يجعل دور المدافعين عن الحريات الرقمية أكثر أهمية من أي وقت مضى. 

إلا أن هذه الجهود تواجه تحديات متزايدة بعد تقليص الولايات المتحدة تمويل العديد من المبادرات المعنية بالدفاع عن حرية الإنترنت، في وقت تقلص فيه دول ديمقراطية أخرى دعمها لمنظمات المجتمع المدني في الخارج.

وترى الصحيفة أن الحريات الرقمية ليست قضية هامشية، بل جزء أساسي من الحق الإنساني في الوصول إلى المعلومات والتعبير عن الرأي، محذرة من أن انتشار الإنترنت المجزأ لا يضر فقط بالمجتمعات الخاضعة للرقابة، بل يهدد مستقبل الفضاء الرقمي العالمي بأسره.


الكلمات الدالة