اشترك مجانا بقناة الديار على يوتيوب

مع دخول فصل الصيف وبدء درجات الحرارة بالاقتراب من مستويات قياسية تتجاوز في بعض الأيام 50 درجة مئوية في عدد من المحافظات العراقية، تقلب حكومة علي الزيدي الجديدة خياراتها في ملف الطاقة بحثاً عن حلول سريعة لتقليل ساعات الانقطاع، لتجد نفسها أمام خيار كان يُنظر إليه قبل سنوات بوصفه استثنائياً، يتمثل بشراء الكهرباء من إقليم كردستان.

وبدأت بغداد فعلياً شراء الكهرباء من الإقليم لتغذية محافظات كركوك، ونينوى، وصلاح الدين وديالى، في خطوة تؤشر حجم التحديات التي تواجه قطاع الطاقة العراقي، رغم امتلاك البلاد واحداً من أكبر الاحتياطيات النفطية في العالم، وإنفاق عشرات المليارات من الدولارات على هذا القطاع خلال العقدين الماضيين.

وتأتي هذه الخطوة في وقت تتوقع فيه وزارة الكهرباء أن يصل الطلب على الطاقة خلال صيف العام الحالي إلى نحو 60 ألف ميغاواط، في حين لا يتجاوز الإنتاج المستهدف 30 ألف ميغاواط، ما يعني وجود فجوة قد تصل إلى 30 ألف ميغاواط بين الحاجة الفعلية وما يمكن توفيره، وهي واحدة من أكبر فجوات الطاقة في المنطقة.

وبحسب بيانات رسمية، فإن الإنتاج الفعلي للكهرباء خلال الأسابيع الأخيرة بلغ نحو 27 ألف ميغاواط فقط، وسط تراجع إمدادات الغاز الإيراني بنحو 50% مقارنة بالكميات المتعاقد عليها، إذ انخفضت من نحو 50 مليون متر مكعب يومياً إلى قرابة 25 مليون متر مكعب فقط.


حل سريع يتخطى أصل المشكلة

بدوره قال الباحث في الشؤون الاقتصادية حيدر الشيخ إن "لجوء بغداد إلى شراء الكهرباء من إقليم كردستان يكشف أن أزمة الطاقة في العراق لم تعد مرتبطة بالإنتاج فقط، بل بطريقة إدارة القطاع الكهربائي".

وأضاف الشيخ لـ"إرم نيوز" أن "إقليم كردستان لا يمتلك حقول غاز أو موارد مالية أكبر من الحكومة الاتحادية، لكنه تمكن خلال السنوات الأخيرة من تقليل الضائعات وتوسيع استخدام العدادات الذكية وتحسين الجباية، ما وفر فائضاً يمكن بيعه اليوم إلى بغداد".

وتابع أن "شراء الكهرباء من الإقليم يمثل حلاً سريعاً لتجاوز أزمة الصيف، لكنه لا يعالج جذور المشكلة، لأن العجز الحالي يقترب من 30 ألف ميغاواط، بينما الكميات المستوردة من الإقليم تبقى محدودة قياساً بحجم الحاجة الفعلية".

وأشار إلى أن "النجاح الحقيقي يتمثل في استثمار الغاز المحلي وإنهاء الهدر في شبكات النقل والتوزيع وتعميم أنظمة العدادات الذكية، وهي خطوات قد توفر آلاف الميغاواطات المفقودة سنوياً".

وتشير المعطيات الحالية إلى أن كركوك تتلقى نحو 400 ميغاواط عبر خطوط الربط القادمة من أربيل والسليمانية، بينما تحصل نينوى على نحو 300 ميغاواط، فضلاً عن عودة 120 ميغاواط إلى محافظة ديالى بعد إعادة تشغيل خطوط النقل، ما ساهم في رفع ساعات التجهيز وتحسين استقرار الشبكة في تلك المحافظات.

ويقول مختصون إن أحد أسباب نجاح تجربة الإقليم يتمثل في تطبيق العدادات الذكية وتقليل نسب الضائعات والهدر وتحسين الجباية، الأمر الذي وفر فائضاً كهربائياً سمح بتسويق جزء من الإنتاج إلى الشبكة الاتحادية، بينما ما تزال معظم المدن العراقية تعاني نسب ضائعات مرتفعة تتجاوز في بعض المناطق ثلث الطاقة المنتجة.


طرح مشروع "روناكي"

وفي هذا السياق، كشف مصدر حكومي مطلع، رفض الكشف عن اسمه، لـ"إرم نيوز"، أن "زيارة رئيس حكومة إقليم كردستان مسرور بارزاني الأخيرة إلى بغداد شهدت طرح تجربة مشروع (روناكي) الخاصة بتوفير الكهرباء على مدار 24 ساعة أمام المسؤولين في الحكومة الاتحادية".

وأضاف أن "الوفد الكردستاني عرض تفاصيل التجربة وآليات العدادات الذكية وتقليل الهدر ورفع كفاءة الجباية، فضلاً عن إمكانية الاستفادة من الشركات والخبرات التي نفذت المشروع داخل الإقليم".

وأوضح المصدر أن "رئيس الوزراء علي الزيدي أبدى انفتاحاً أولياً على دراسة التجربة والاستفادة منها ضمن خطط إصلاح قطاع الكهرباء، لكن بعض القوى السياسية أبدت تحفظات بسبب خلافات سياسية مع قادة الإقليم، إلا أن النقاشات ما تزال مستمرة ولم تُحسم بصورة نهائية".

ويواجه العراق اليوم تحدياً مزدوجاً يتمثل في ارتفاع الطلب على الطاقة نتيجة موجات الحر المتكررة، واستمرار الاعتماد على الغاز المستورد لتشغيل جزء مهم من محطات الإنتاج، رغم امتلاكه احتياطيات غازية كبيرة ما تزال نسبة مهمة منها تُحرق أو لم تستثمر بصورة كاملة.

وبينما تمثل الكهرباء القادمة من إقليم كردستان حلاً سريعاً لتخفيف الضغط عن الشبكة خلال الصيف الحالي، فإنها لا تبدو – وفق تقديرات - أكثر من معالجة مؤقتة لأزمة أعمق، ترتبط بملفات الإنتاج والوقود والهدر والجباية والاستثمار، وهي الملفات التي ستحدد ما إذا كان العراق قادراً مستقبلاً على تحقيق الاكتفاء الذاتي من الطاقة، أم سيبقى مضطراً للبحث عن الكهرباء من خارج حدوده الإدارية كلما ارتفعت درجات الحرارة.