اشترك مجانا بقناة الديار على يوتيوب

يحاول رئيس الحكومة الاسرائيلية بنيامين نتنياهو أن يوحي لواشنطن وطهران أنه المتحكّم بالميدان في الجنوب اللبناني وأنه هو سيد الموقف لا الرئيس دونالد ترامب ولا الحرس الثوري اللذين أقصياه عن المسار الأميركي – الايراني للتفاوض. وفي هذا السياق فإن نتنياهو يبالغ في الإستنتاج. فالرئيس ترامب يمنحه هامشا محدودا من الوقت كما الحرس الثوري يربط المسار الأميركي – الايراني ونجاحه بوقف النار وإنهاء الحرب في الجنوب اللبناني ما يجعل من التوسّع الجغرافي الاسرائيلي للجنوب اللبناني بكلفة عالية على اسرائيل ولبنان في آن معا. ذلك أن "نظرية التوسّع التي تحمي المستوطنات الحدودية وتبعد صواريخ حزب الله ومسيّراته" تثبت فشلها مع صفارات الإنذار المتواصلة في المستوطنات الحدودية وفي ظاهرة الإستياء المستمر للمستوطنين من أن الحكومة الاسرائيلية لا توفّر الحماية لهم.

الغطاء الأميركي للتوسّع الجغرافي الاسرائيلي في الجنوب اللبناني يستطيع الرئيس ترامب أن يرفعه في أي لحظة رغم الإعلانات المتكررة لنتنياهو بأنه "سيد الميدان". ذلك أن الحسابات الأميركية للضغوط العسكرية الاسرائيلية في الجنوب اللبناني تلتقي وتفترق مع الحسابات الاسرائيلية في الوقت نفسه. فهذه الضغوط تخدم ترامب في انتزاع مرونة إيرانية على المسار الأميركي – الايراني. وهي مرونة يحتاجها الرئيس الأميركي الذي يبحث عن مخرج للحرب رغم التلويح المتكرر بأنه يملك خيارات أخرى غير المفاوضات الديبلوماسية. كما أنه في هذه الضغوط يلزم السلطة اللبنانية الرهان عليه في مسار التفاوض اللبناني – الاسرائيلي لأنها لا تملك البديل. واستطرادا فإن البيت الأبيض يعرف جيدا بأن الحرب الاسرائيلية على لبنان تضعف حزب الله ولكن لا تنهيه. وأما سلاح الحزب فمرهون بالتفاوض الأميركي – الايراني ومن مقاربات متعارضة تبحث عن قواسم في السياسة. فيما حسابات نتنياهو تذهب في اتجاه الداخل الاسرائيلي والإنتخابات البرلمانية ووضعه الشخصي المستقبلي كما الرهان على مفاجآت غير متوقعة تدفع بترامب من جديد إلى معاودة الحرب مع ايران. ومثل هذا الرهان لا يستند إلى مرتكز فعلي وإن كان يلقى استحسانا من "صقور" الولايات المتحدة واعتراضا شعبيا واسعا في الداخل الأميركي ومن القوى المتضررة من إغلاق مضيق هرمز بفعله التدميري للإقتصاد العالمي والبورصات المالية بما فيها البورصة الأميركية وسوق النفط والغاز.

إيحاءات الرئيس الأميركي دونالد ترامب بالشيء وعكسه تستند إلى تفكير بنيوي يأخذ في الإعتبار الربط بين عناصر مختلفة لإعادة التفكيك والتركيب من ضمن رؤية براغماتية تتكيّف مع المتغيّرات والتحوّلات على قاعدة مصلحة أميركا أولا. ومن هنا غموضه المدروس الذي لا يحيّر خصومه وحلفاؤه فقط وإنما حتى فريق عمله ذاته. وهكذا يدفع الجميع إلى انتظار إشاراته ما يجعله متحكّما بالإتجاه. وأما الإستناج بأنه سياسي من دون هفوات قد تكون باهظة الثمن أحيانا فهذا أمر في غير مكانه. والسبب أنه يريد أن تفضي سياساته إلى نتائج سريعة كما في الصفقات التجارية التي يجريها. وهذه ناحية لا يمكن إسقاطها دوما على السياسة والديبلوماسية وخصوصا مع المفاوض الايراني المتمرّس وصاحب حضارة تمتد في التاريخ إلى حقبة طويلة أنتجت له خبرة وبصيرة وصبرا وبرودة أعصاب وقراءة موضوعية للأحداث وتحمّل الضغوط وبحثا عن دور اقليمي أبعد من حدوده الجغرافية و"مكرا" يفوق "مكر" ترامب أو يوازيه على الأقل وتوقعا في كل لحظة إلى أن سياساته يمكن أن تبطن خداعا حتى في الإيحاء بأنه منفتح حقيقة على "مصافحة طهران" . وهذا هو أحد الأسباب الرئيسية التي تعيق تسريع بناء الثقة الذي يحتاجه اتفاق "إعلان النوايا" الذي يعمل عليه قائد الجيش الباكستاني عاصم منير ومعه الرئيسان الروسي والصيني ودول المحور الإسلامي والدول الآسيوية والأوروبية وحتى الحديقة الخلفية لأميركا في دول أميركا اللاتينية التي تتخوّف من أن تكون الهدف المستقبلي لاستتباعها أميركيا وعلى رأسها دولة كندا وحتى قبل كوبا. فالرئيس ترامب يعتبر أن الإبقاء على الولايات المتحدة الأميركية سيدة العالم في المستقبل المحظور يرتبط بمقاربته للتحكّم بالنفط والغاز والأسواق والمضائق البحرية وتعزيز القدرة الأميركية العسكرية والهيمنة على المؤسسات الدولية. وأما المفتاح إلى ذلك فهو أن تعطيه طهران ورقة أنه "الرابح في الحرب" ما يعطيها دورا في المنطقة مشابها لنظام الشاه السابق والشراكة معه.

وفي الإعتقاد أن الوصول إلى ذلك يفترض من الرئيس دونالد ترامب صراحة وصدقا في توجهه نحو ايران وفي قراءة المرونة الايرانية الحذرة. فالمقاربة الأميركية في تركيب الشرق الأوسط يأتي الإعتراض عليها في المقاربة الاسرائيلية لتفكيكه والتوسّع في جغرافيته في لبنان وسوريا وغزة والضفة الغربية. وهذه ملاحظة في مكانها للزعيم الدرزي والوطني وليد جنبلاط الذي يحيط بالأمور من زاوية بنيوية أيضا أساسها المعلومات وتحليلها واستقرائها كونه يغلّب وحدة كل من لبنان وسوريا والحقوق الفلسطينية المشروعة على أي اعتبار آخر.


الأكثر قراءة

“المركزي” سيُمّدّد العمل بالتعميمين ١٥٨ و١٦٦ من أول تموز