في الحادي عشر من أيار 2026، أعلن المندوب السامي الألماني في البوسنة والهرسك كريستيان شميت استقالته "لأسباب شخصية"، لكن وراء هذه العبارة الموجزة، تقبع قصة أكثر تعقيداً.
تدور وراء الكواليس معركة دبلوماسية هادئة، لكنها حادة بين واشنطن و أوروبا حول خليفة "شميت"، وما الصلاحيات التي ستبقى بين يديه، وما إذا كانت البوسنة ستدخل انتخاباتها الحاسمة في شهر تشرين الاول المقبل، بحماية دولية أم من دونها؟
تكشف مجلة "لوبوان"LE POINT الفرنسية ، أن واشنطن كانت تمارس ضعطاً على شميت بسبب استخدامه المتكرر لـ"صلاحيات بون"، وهي صلاحيات استثنائية تتيح للمندوب السامي فرض قوانين مباشرة، وإقالة مسؤولين منتخبين رفضوا تطبيق قرارات دولية.
وتُضيف المجلة أن خلافاً آخر برز حول مشروع أنبوب الغاز الأميركي الرابط بين محطة الغاز الطبيعي المسال الكرواتية والبوسنة، وكان شميت يتعامل مع الملف بتحفظ. وفق ما ذكرته "لو بوان".
تدفع واشنطن باتجاه تعيين الدبلوماسي الإيطالي أنطونيو زاناردي لاندي، البالغ من العمر 75 عاماً، غير أن سيرته المهنية تثير مخاوف متزايدة في الأوساط الأوروبية.
فقد شغل منصب سفير إيطاليا لدى بلغراد خلال عهد رئيس الوزراء الإيطالي الأسبق سيلفيو برلسكوني، كما مُنح "وسام الصداقة" الروسي تقديراً لخدمته الدبلوماسية في موسكو، ويُنظر إليه على نطاق واسع باعتباره متساهلاً في تعاطيه مع صرب البوسنة.
وفي ظل التقارب الإيديولوجي الواضح بين حكومة جورجيا ميلوني في إيطاليا وإدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، تتابع باريس هذا الملف بقدر كبير من الحذر والقلق.
وتلفت مجلة “لو بوان” إلى معطى لافت يتمثل في تصاعد الحضور الإيطالي داخل البنية الدولية المشرفة على البوسنة والهرسك. فمنذ سبتمبر 2024، يشغل الإيطالي لويجي سوريكا منصب سفير الاتحاد الأوروبي في سراييفو، فيما يتولّى الجنرال الإيطالي ماوريتسيو فروندا قيادة قوة “يوفور ألثيا” العسكرية الأوروبية المنتشرة في البوسنة منذ كانون الثاني 2026.
وترى المجلة أن إضافة مندوب سامٍ إيطالي إلى هذه المناصب من شأنه أن يكرّس ما تصفه بـ"هيمنة غير مسبوقة لدولة واحدة على مجمل الجهاز الدولي العامل في البوسنة".
تتمثل الرؤية الأميركية في تعيين خلف للمندوب السامي بصلاحيات أكثر محدودية، مع ترك مساحة أوسع أمام "الفاعلين المحليين" لإدارة شؤونهم، وهو مطلب يردده قادة صرب البوسنة منذ سنوات.
ونقلت المجلة عن زيلكا تشفيانوفيتش، العضوة الصربية في الرئاسة الثلاثية للبوسنة والهرسك، قولها خلال زيارة رئيس المجلس الأوروبي أنطونيو كوستا إلى سراييفو: "بعد 3 عقود من انتهاء الحرب، لم يعد مقبولاً أن يسنّ الأجانب القوانين بدلاً من المؤسسات الوطنية".
وتتوقف "لو بوان" عند حالة ميلوراد دوديك، الزعيم الفعلي لجمهورية صرب البوسنة، الذي صدر بحقه، في الأول من أغسطس 2025، حكم بالسجن لمدة عام واحد، مع منعه من الترشح للمناصب العامة لمدة ست سنوات، على خلفية تحديه قرارات المندوب السامي.
غير أن الحكم بالسجن استُبدل في الثاني عشر من أغسطس بغرامة مالية بلغت 18 ألفاً و660 يورو، سارع إلى تسديدها. وبالرغم من ذلك، ما يزال يحتفظ بتأثيره السياسي، إذ يدير المشهد من وراء الكواليس عبر خليفته الرسمي سينيسا كاران، الذي يُنظر إليه باعتباره واجهة سياسية له.
في الثاني عشر من أيار، نقل دينيس بيتشيروفيتش، العضو البوسني في الرئاسة الثلاثية للبوسنة والهرسك، الملف إلى مجلس الأمن الدولي، محذراً من تحركات وصفها بأنها تمس أسس النظام السياسي الذي أرساه اتفاق دياتون، وأوضح بتيشروفيتش، أن سلطات جمهورية صرب البوسنة أبرمت عقداً مع شركة ضغط "لوبي" أمريكية ، بهدف التأثير على دوائر صناع القرار في واشنطن لدعم الأطروحات النفصالية ، وأضاف أن مؤتمراً عقد في العاصمة الكرواتية زاغرب بمشاركة ممثلين عن وزارة الخارجية الكرواتية تضمن تداولاً لخرائط تقسيم عرقي للبوسنة.
وتشير مجلة "لو بوان" الفرنسية إلى أن جذور الأزمة الحالية تعود إلى اختلالات بنيوية منذ توقيع اتفاقية دايتون، والتي أرست نظام رئاسة ثلاثية يتقاسمها ممثلون عن المكونات البوسنية، والكرواتية، والصربية.
وبموجب هذا النظام، يُحرم المواطنون الذين يعرّفون أنفسهم على أنهم "بوسنيون" - دون انتماء قومي محدد، إضافة إلى اليهود، والغجر، وأبناء الزيجات المختلطة- من حق الترشح لأعلى منصب سياسي في البلاد بموجب القانون .
وفي العام 2009، قضت المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان في قضية "سيديتش وفينتشي" بأن هذا الترتيب يشكل نوعاً من أنواع التمييز، إلا أن الحكم ظل دون تنفيذ طوال 61 عاماً، دون أي إصلاح جوهري للنظام السياسي.
وتخلص المجلة الفرنسية، إلى أن تعيين خليفة للممثل السامي الدولي كريستيان شميت بصلاحيات أقل في هذا الظرف الحساس قد يعني، عملياً، سحب آخر جهة تحكيم دولية قبل الانتخابات المرتقبة.
وتلفت المجلة إلى أن الرابع من يونيو يشكل موعداً مفصلياً، إذ سيكشف ما إذا كانت فرنسا قد نجحت في الحفاظ على موقفها، أم أن الضغوط الأميركية تمكنت من فرض رؤيتها، بما قد يضعف إحدى آخر الضمانات الدولية لاستقرار بلد يستعد للتوجه إلى صناديق الاقتراع بعد 4 أشهر فقط.
مواضيع ذات صلة
الأكثر قراءة
عاجل 24/7
-
23:53
الإخبارية السورية: قوات الاحتلال الإسرائيلي تقصف بقذائف المدفعية الأراضي الزراعية المحيطة بسد المنطرة في ريف القنيطرة الأوسط.
-
23:37
ترامب: أريد فصل ملف إعادة فتح مضيق هرمز والأعمال العدائية والتطورات الجارية في لبنان.
-
23:37
ترامب: في الصفقة المرتقبة لن يسمح لإيران بالحصول على سلاح نووي وبعد التوقيع سيتم فتح مضيق هرمز سريعا.
-
23:36
ترامب: إيران وافقت على حصولنا على الغبار النووي وسحقنا المنشآت والمواد النووية مدفونة تحت الأرض.
-
23:36
ترامب: الاتفاق الحالي إذا تم مع إيران سيكون نقيضا للاتفاق السابق الذي وقعه أوباما.
-
23:35
ترامب: إذا وقعت إيران الوثيقة وهو أمر بات قريبا جدا فسيكون ذلك إنجازا مهما.
