اشترك مجانا بقناة الديار على يوتيوب

رغم محاولات لبنان الرسمي، كما الولايات المتحدة الأميركية المستمرة، لفصل مسار ومصير الملف الإيراني عن مسار ومصير الملف اللبناني، إلا أن مجريات الساعات القليلة الماضية نسفت كل هذه الجهود، بعدما نجحت طهران بالإمساك مجدداً بالورقة اللبنانية وبقوة، بعد تنفيذها وعدها لحزب الله بالتدخل في حال قصفت الضاحية الجنوبية لبيروت.

وفي وقت راهن فيه كثيرون على أن تخرج إيران بمبررات وحسابات سياسية أو عسكرية، تحول دون انخراطها المباشر في أي عمليات جديدة تستهدف "إسرائيل"، جاءت التطورات الأخيرة لتبدد هذه الرهانات، إذ فضّلت طهران توجيه رسالة واضحة مفادها أنها لا تزال مستعدة لاستخدام أوراقها الإقليمية، متى رأت أن مصالحها أو مصالح حلفائها مهددة، وأنها تتمسك بأذرعها في المنطقة وليست بوارد التخلي عنها.

وانطلقت حسابات القيادة الإيرانية من قناعة ، مفادها أن ما يجري في الميدان اليوم، سيترك أثراً مباشراً على مسار المفاوضات مع الولايات المتحدة، بل قد يرسم حدود الاتفاق المحتمل وموازين القوى، التي ستقوم عليها المرحلة المقبلة. لذلك، فإن أي تردد في الرد على استهداف الضاحية الجنوبية لبيروت، كان سيُقرأ في كل من واشنطن و"تل أبيب" على أنه مؤشر ضعف إيراني، ما كان سيشجعهما على رفع سقف مطالبهما، وفرض شروط أكثر تشدداً في أي تسوية مقبلة.

من هذا المنطلق، اختارت طهران سياسة المبادرة وعدم التردد، فسارعت إلى توجيه ضربات نحو "إسرائيل"، وُصفت بأنها أكثر أهمية وتأثيراً مقارنة بجولات سابقة. وبذلك، سعت إلى تثبيت معادلة مفادها أنها لا تزال تمتلك القدرة على التأثير وفرض الوقائع، وأنها تدخل أي مفاوضات من موقع قوة لا من موقع الحاجة أو الاستعجال.

وفي المقابل، بدا أن الإدارة الأميركية لا ترغب في الانزلاق نحو مواجهة عسكرية مفتوحة، وهو ما عكسه الرئيس الأميركي دونالد ترامب من خلال مواقفه الداعية إلى احتواء التصعيد وتجنب توسيع دائرة الحرب، في إشارة إلى أن واشنطن لا تزال تفضل إبقاء الصراع ضمن حدود يمكن التحكم بها، بما يحفظ فرص التوصل إلى تفاهم سياسي في نهاية المطاف.

وتعزو مصادر واسعة الاطلاع الموقف الأميركي الداعي إلى التهدئة واحتواء التصعيد، إلى مجموعة من العوامل المتداخلة. ففي مقدمتها حرص ترامب على تجنب اندلاع جولة حرب جديدة في المنطقة، في وقت تستعد فيه الولايات المتحدة لاستضافة بطولة كأس العالم لكرة القدم، وهو حدث عالمي ضخم، يتطلب أعلى درجات الاستقرار والانفتاح في حركة النقل الجوي والسياحة الدولية، ما يجعل أي اضطرابات إقليمية واسعة النطاق عاملاً سلبياً، لا يخدم المصالح الأميركية.

وتضيف المصادر أن الاعتبارات الداخلية الأميركية لا تقل أهمية عن العوامل الخارجية، إذ إن المزاج العام داخل الولايات المتحدة يبدو ضاغطا جدا على ترامب على بُعد أشهر من الانتخابات النصفية..كما أن الادارة الأميركية تعي تماما أن أي مواجهة مقبلة لن تكون شبيهة بالجولات السابقة، بل يُتوقع أن تكون أكثر اتساعاً وتعقيداً، مع ضغوط كبيرة لتحقيق نتائج حاسمة تفرز رابحاً وخاسراً بصورة واضحة.

وفي انتظار اتضاح مسار التفاوض الأميركي – الإيراني، يبدو أن الورقة اللبنانية قد عادت مجدداً إلى يد طهران، كأحد أبرز عناصر الضغط والتفاوض في المرحلة المقبلة. 

الأكثر قراءة

عون: حان الوقت لتفوّق قوّة المنطق على منطق القوّة رسم المعادلات تحت النار... هل تمتدّ الهدنة الى لبنان؟