"عندما تُختبر دول البلطيق، تُختبر أوروبا بأكلمها"، بهذه العبارة اختصرت رئيسة المفوضية الأوروبية، أورسولا فون دير لاين، خلال زيارة حديثة إلى ليتوانيا، حجم التحديات الأمنية التي تواجه القارة في ظل تصاعد التوتر مع روسيا.
ومع تزايد المخاوف الأمنية ورصد طائرات مسيّرة مجهولة فوق المنطقة، تسعى دول البلطيق الثلاث؛ "ليتوانيا ولاتفيا وإستونيا"، إلى إنشاء ما بات يُعرف بـ"الشنغن العسكري"، بهدف إزالة العقبات الإدارية التي تعرقل سرعة تحرك القوات العسكرية وتعزيز قدرة الردع الأوروبية.
البلطيق.. مختبر الحركة العسكرية
في 30 يناير الماضي، وقّع وزراء دفاع دول البلطيق في العاصمة الإستونية "تالين" إعلاناً لإنشاء "منطقة الحركة العسكرية البلطيقية" (MMA)، وهي مبادرة تهدف إلى تمكين القوات المسلحة من التنقل بين الدول الثلاث بحرية وسرعة، دون الحاجة إلى تصاريح أو إجراءات بيروقراطية مسبقة.
ووفقاً لوزير الدفاع الليتواني "روبرتاس كاوناس"، فإن عامل الوقت قد يكون حاسماً في أوقات الأزمات، ما يتيح للقوات الليتوانية التحرك سريعاً نحو "لاتفيا"، أو للقوات الإستونية تقديم الدعم العسكري لليتوانيا عند الحاجة، وفقا لما نقلته مجلة لكسبريس الفرنسية.
غير أن هذا المشروع "الميني شنغن" يظل محدود الأثر ما لم تتبنَّه بقية الدول الأوروبية. وتستشهد المجلة بحادثة وقعت عام 2022، عندما تعثر نقل لواء عسكري فرنسي إلى رومانيا، بسبب رفض السلطات الألمانية مرور حاملات الدبابات الثقيلة بحجة تجاوز الحدود المسموح بها للأوزان، مما أجبر القوات على استكمال الرحلة عبر القطارات.
البيروقراطية.. جدار دفاعي مضاد
لا تزال حركة القوات العسكرية داخل أوروبا تخضع لقواعد وطنية متباينة، إذ تشترط بعض الدول إخطاراً مسبقاً قد يصل إلى 45 يوماً قبل السماح بعبور المعدات العسكرية.
وبالرغم من اعتماد نموذج موحد لتقديم الطلبات منذ عام 2021، فإن التنسيق بين الجهات المعنية، من جمارك وشرطة ووزارات نقل وشركات سكك حديدية، لا يزال يمثل تحدياً كبيراً.
ويحذر الخبراء مثل "ماكسيم كورديه" المتخصص في شؤون الدفاع، من أن الاعتماد على "حسن النوايا" وقت الحرب قد يكون رهانا خاسرا ، خاصة مع اختلاف مستوى إدراك التهديد الروسي بين دول أوروبا الغربية (باريس - مدريد) ودول الجبهة الشرقية (فيلنيوس - تالين) ، ولهذا السبب تعمل بروكسيل على فرض "قانون صلب" وتطوير إطار قانوني ملزم يسمح بمعالجة طلبات التنقل العسكري في غضون 48 ساعة فقط عبر منصة رقمية موحدة.
بنية تحتية غير مهيأة وفجوة تمويلية
ولا تقتصر التحديات على الإجراءات الإدارية، بل تمتد إلى البنية التحتية نفسها. فقد حددت المفوضية الأوروبية نحو 500 نقطة ضعف في شبكة النقل الأوروبية، تشمل جسوراً وأنفاقاً وموانئ لا تتحمل أوزان الدبابات والمركبات العسكرية الحديثة مثل "ليوبارد" و"لوكلير".
وبالرغم من أن العديد من منشآت أوروبا الغربية صُممت خلال الحرب الباردة لاستيعاب التحركات العسكرية الثقيلة، فإن توسع الاتحاد الأوروبي شرقاً كشف الحاجة إلى استثمارات واسعة لتحديث البنية التحتية حتى الحدود الشرقية للاتحاد.
في المقابل، يبرز التمويل كأحد أكبر التحديات أمام المشروع، فبينما اقترحت المفوضية الأوروبية تخصيص 18 مليار يورو لتطوير برامج الحركة العسكرية، يرى مفوض النقل الأوروبي "أبوستولوس تزيتزيكوستاس" أن الاحتياجات الفعلية قد تصل إلى 100 مليار يورو، كما تذهب بعض الدراسات إلى أن الكلفة الإجمالية المطلوبة قد تبلغ نحو 500 مليار يورو.
الوقت عامل حاسم
ومع تكرار الحوادث الأمنية في المنطقة، بما في ذلك لجوء مسؤولين ليتوانيين إلى الملاجئ إثر رصد مسيّرات قرب الحدود البيلاروسية، لم يعد مشروع "الشنغن العسكري" ترفا سياسيا بل ضرورة وجودية وأولوية استراتيجية بالنسبة لدول البلطيق وحلفائها الأوروبيين.
ويرى خبراء أن قدرة أوروبا على تحويل حدودها الداخلية من نقاط عبور بيروقراطية إلى ممرات عسكرية ولوجستية سريعة ستشكل اختباراً حقيقياً لفاعلية منظومتها الدفاعية. فالقوات التي تتأخر بسبب الإجراءات الإدارية قد تصل بعد فوات الأوان، في وقت تتزايد فيه المخاوف من أن أي تأخير في الاستجابة قد ينعكس مباشرة على أمن دول الخطوط الأمامية.
فالدبابات التي تحتاج لـ"تأشيرة مرور" أو إذن عبور بيروقراطي قد تصل متأخرة جداً إلى ساحة المعركة، مما يترك دول المواجهة في مهب العاصفة، ويرى الخبراء أن بناء "شنغن عسكري" أوروبي بات من أحد أبرز التحديات الأمنية الكبرى، والسبيل الوحيد لضمان تماسك "الأسوار الأوروبية" أمام تهديدات مستقبلية .
الأكثر قراءة
عاجل 24/7
-
23:45
المتحدث باسم أنطونيو غوتيريش: الأمين العام للأمم المتحدة يدعو للالتزام بوقف إطلاق النار في لبنان وإيران وغزة وتجنب تقويض الدبلوماسية
-
23:35
شهيدان و10 جرحى جراء الغارة على المروانية
-
23:20
مسؤول إيراني للجزيرة: لا يمكن التوصل لأي اتفاق إذا لم يتم الإفراج عن أموالنا المجمدة ورفع العقوبات
-
23:20
مسؤول إيراني للجزيرة: لا يمكن تحقيق الاستقرار والأمن في المنطقة إلا من خلال وجود آلية ردع حقيقية للاعتداءات
-
23:19
مسؤول إيراني للجزيرة: أي خرق لوقف إطلاق النار قد يؤثر على المفاوضات وإيران لن تتهاون في التعامل بجدية مع ذلك
-
23:18
مسؤول إيراني للجزيرة: واشنطن أقدمت على تغيير في مسودة مذكرة التفاهم وهذا الأمر غير مقبول
