أصبح لبنان هذا الوطن الصغير، موضوع تجاذب واشتباك بين اطراف ثلاثة: «اسرائيل» والولايات المتحدة الاميركية وايران، وكلّ من حسابات مختلفة. أما لماذا هذا الاهتمام الثلاثي بـ"الوطن الصغير"، فقد يكون في اعطاء الجواب على هذا السؤال، التذكير بما ردّده سابقاً وزير الخارجية الاميركي الدكتور هنري كيسنجر، بأن «ما يهمّنا في لبنان هو جيراننا الشيعة». وعندما سئل لماذا؟ كان جوابه «من يضع يده اليمنى على الجنوب اللبناني، يضع يده اليسرى على أزمة الشرق الاوسط».
هذا «الجنوب اللبناني»، وسّعت فيه «اسرائيل» تمدّدها الجغرافي، وأبعدت بيئته البشريّة، وهجّرت سكّان القرى والبلدات ، ودمّرت بناه التحتيّة والأثريّة باتجاه «الغاء ذاكرته»، استناداً الى «فكرة توراتيّة» يتبنّاها اليمين الديني اليهودي، مفادها أنّ «جبل عامل» هو امتداد «للجليل الاعلى».
كما أن سياسة التوسّع الجغرافي الاسرائيلية، ترمي الى «توسيع» الفصل بين الدولة اللبنانية وحزب الله، واستدراج السّلطة السياسية الى تنسيق أمني «اسرائيلي»- لبناني في مواجهة حزب الله. علماً بأن الرؤساء الثلاثة في لبنان، يعترضون على مثل هذا التوجّه في رهان على دور محايد للوسيط الأميركي، ولضغوط من جانب الرئيس الاميركي دونالد ترامب على رئيس الحكومة الاسرائيلية بنيامين نتنياهو.
والواضح أن هناك تقاطعات وتباينات بين الموقفين الاميركي و»الاسرائيلي» حول لبنان. نتنياهو يريد استدراج لبنان الى اتفاق سلام، فيما ترامب يكتفي في الظرف الراهن باتفاق أمني، طالما هناك استعصاءات فعليّة لاتفاق سلام. كما ان نتنياهو يأمل من التصعيد العسكري باتجاه بيروت والضاحية، جرّ الولايات المتحدة الاميركية الى الخروج من الخيار الديبلوماسي، الذي يقترب من صدور «اعلان نوايا» ، يشتغل عليه قائد الجيش الباكستاني عاصم منير، عبر تدوير الزوايا وتقليص الفجوات بين المطالب المتعارضة.
ولا ترى واشنطن في فصل المسار اللبناني عن المسار الايراني، سوى عامل ضغط على المفاوض الايراني لانتزاع مرونة ما منه. وانما لا مصلحة اميركية في ذهاب نتنياهو باتجاه الضاحية الجنوبية وبيروت. وهكذا فان المصلحة الاميركية هي حالياً في وقف النار بين «اسرائيل» وايران. والأرجح ان لا تتورط واشنطن بالمشاركة بالحرب، وأن يقتصر دورها مع اطراف دولية واقليمية، بما فيها روسيا والصين، على ان لا تتدحرج الى وضع لا يمكن التحكّم فيه، خصوصاً وان ايران وفاء منها لالتزاماتها بحلفائها، مستعدّة لكسر الخطوط الحمر، ولمعرفة اذا كان هناك نوع من التغاضي الاميركي من استهداف الضاحية الجنوبية، او هناك «خداع» يستبق معاودة الحرب.
وواقع الامر ان ايران تختبر النوايا الاميركية، فهي تعرف بأن الحرب الايرانية- «الاسرائيلية» من دون مشاركة اميركية، تستنزف الدولة العبريّة وتعيد مواطنيها الى الملاجئ. ومن هنا، تستنتج مصادر ديبلوماسية غربية وغير غربية، بأن الحرب بين طهران و»تل ابيب» محكومة بأفق زمني لا يتجاوز 72 ساعة، وأن نتنياهو شخصياً كان متردداً، واضطر أخيراً الى التجاوب مع ضغوطات حلفائه في اليمين الديني، خصوصاً بن غفير وسيموترش وكاتس.
والواضح أن ترامب يوظّف تردد نتنياهو باتجاه وقف الحرب الايرانية- «الاسرائيلية»، خصوصاً أنه على ابواب كأس العالم ،وحاجته الى سلم داخلي اميركي، والى تأمين انتخابات نصفيّة أميركية يسبقها اعلانه «انا المنتصر»، باعتبار انه حال دون امتلاك ايران لقنبلة نووية لا تريدها اساساً.
فما يريده حالياً ترامب تأكيده ان تترك له «اسرائيل» ادارة ترتيبات المنطقة، ذلك أن «المشروع الاسرائيلي» التوسعي مستحيل التحقّق، مع توسيع دائرة العداء في المنطقة، وتحديداً مع دول اقليميّة فاعلة مثل تركيا ومصر وباكستان، ومع انحياز روسي وصيني واضح يرى وصلاً بين الحرب الاميركية- «الاسرائيلية» على ايران وأزمة الصراع العربي- «الاسرائيلي»، حيث تشكّل القضيّة الفلسطينية ركيزته الاساسية، والتي تفترض قيام دولة فلسطينية عاصمتها القدس الشرقية.
أياً يكن الامر، فان تشابك الازمات دافع جوهري باتجاه ايجاد مخارج سلمية وبمشاركة واسعة. لأن تفلّت الامور يدفع بفوضى عامّة ليست في مصلحة احد ، وتحديداً ليست في مصلحة الولايات المتحدة الاميركية، التي اصبحت بحكم الضرورات تحتاج الى مساعدة من موسكو وبكين ومن تركيا ومصر وباكستان. فانهيار حجر من الدومينو ينتهي بانهيار كل الاحجار.
وأمّا السؤال الاساسي فهو كيف لـ«لبنان الوطن الصغير» أن يوظّف تشابك الازمات وكثرة اللاعبين؟ هذا يفترض حواراً داخلياً لبنانيّاً، وترميم الجسور بين الرئيس العماد جوزاف عون وحزب الله، واستقراء مشترك للتطورات خارج معادلة «تغليب الخلاف» . وهذا شأن لا يعترض عليه الوسيط الاميركي ، الذي يعتبر لبنان منصّة اميركية لادارة شؤون المنطقة.
الأكثر قراءة
عاجل 24/7
-
23:45
المتحدث باسم أنطونيو غوتيريش: الأمين العام للأمم المتحدة يدعو للالتزام بوقف إطلاق النار في لبنان وإيران وغزة وتجنب تقويض الدبلوماسية
-
23:35
شهيدان و10 جرحى جراء الغارة على المروانية
-
23:20
مسؤول إيراني للجزيرة: لا يمكن التوصل لأي اتفاق إذا لم يتم الإفراج عن أموالنا المجمدة ورفع العقوبات
-
23:20
مسؤول إيراني للجزيرة: لا يمكن تحقيق الاستقرار والأمن في المنطقة إلا من خلال وجود آلية ردع حقيقية للاعتداءات
-
23:19
مسؤول إيراني للجزيرة: أي خرق لوقف إطلاق النار قد يؤثر على المفاوضات وإيران لن تتهاون في التعامل بجدية مع ذلك
-
23:18
مسؤول إيراني للجزيرة: واشنطن أقدمت على تغيير في مسودة مذكرة التفاهم وهذا الأمر غير مقبول
