اشترك مجانا بقناة الديار على يوتيوب

كشفت تحقيقات صحفية ومعلومات مسربة عن تحول لافت في آليات عمل ما يعرف بـ"أسطول الظل" الروسي، وهو الشبكة البحرية التي تستخدمها موسكو لنقل النفط الخاضع للعقوبات الغربية. 

فإلى جانب الناقلات القديمة وأعلام الدول الأجنبية والشركات الوهمية، باتت روسيا تعتمد بصورة متزايدة على عناصر أمنية ومرتزقة سابقين لمراقبة السفن وضمان استمرار عملياتها بعيدًا عن أعين سلطات إنفاذ القانون الأوروبية.

وتأتي هذه الإجراءات في وقت تشدد فيه الدول الأوروبية رقابتها على حركة ناقلات النفط المرتبطة بروسيا، في محاولة للحد من عائدات الطاقة التي تمثل أحد أهم مصادر تمويل الحرب الروسية في أوكرانيا، وفق "source-material".

بدأت ملامح هذا التحول بالظهور بوضوح منذ عام 2025، عندما لاحظت أجهزة الأمن الغربية وجود عناصر أمنية روسية على متن عدد متزايد من ناقلات النفط العاملة ضمن "الأسطول المظلم".

وتشير البيانات المتاحة إلى أن عشرات الحراس الروس رافقوا السفن خلال رحلاتها بين الموانئ الروسية والأسواق العالمية، خصوصًا عبر المسارات الأوروبية.

وتبين أن عددًا من هؤلاء الحراس خدموا سابقًا في مجموعة فاغنر العسكرية الخاصة أو في تشكيلات أمنية وشبه عسكرية مرتبطة بوزارة الدفاع الروسية. 

كما جرى توظيف آخرين عبر شركات أمنية روسية متخصصة في الحماية البحرية.

ووفقًا لشهادات من أفراد عملوا ضمن هذه الفرق الأمنية، فإن مهمتهم لا تقتصر على حماية السفن من المخاطر التقليدية، بل تشمل أيضًا مراقبة القباطنة وأفراد الطاقم والتأكد من التزامهم بالتعليمات الروسية، خصوصًا عند مواجهة محاولات التفتيش أو الاحتجاز من قبل السلطات الأوروبية.

وتشير إفادات بعض الحراس إلى أن أحد أهم أدوارهم يتمثل في منع قادة السفن من التعاون مع الجهات الغربية أو الامتثال لأوامر الرسو والتفتيش، وهو ما يمنح موسكو قدرة أكبر على إبقاء عمليات نقل النفط مستمرة رغم العقوبات المفروضة عليها.

أصبحت قضية ناقلة النفط "كيوالا"، التي أعيدت تسميتها لاحقاً إلى "بوراكاي"، مثالاً واضحاً على طبيعة المواجهة المتصاعدة بين أوروبا والأسطول المظلم الروسي. 

ففي عام 2025 احتجزت السلطات الإستونية السفينة بعد اكتشاف مخالفات تقنية خطيرة، إلا أنها عادت لاحقاً إلى العمل قبل أن ترفض أوامر فرنسية بالرسو في أحد الموانئ الأوروبية، ما استدعى تدخلاً أمنياً لفرض الامتثال.

وتشير تقارير أمنية إلى أن وجود عناصر روسية مرتبطة بأجهزة أمنية أو مجموعات مرتزقة على متن بعض الناقلات جعل عمليات الصعود والتفتيش أكثر تعقيداً.

 كما تؤكد مصادر أوروبية أن احتمال وجود أفراد مسلحين يدفع العديد من الجهات المختصة إلى تجنب المواجهة المباشرة خشية تطور الموقف إلى اشتباكات غير محسوبة.

وفي ظل هذه التحديات، قرر الاتحاد الأوروبي توسيع صلاحيات مهمته البحرية بما يسمح بتوقيف سفن الأسطول المظلم وتفتيشها بصورة أكثر فاعلية، في محاولة لإحكام الرقابة على حركة النفط الروسي الخاضع للعقوبات.

ويرى خبراء أن موسكو ردت على هذه الإجراءات عبر اعتماد ما وصفوه بـ"الإجراءات المضادة المنهجية"، والتي تشمل استخدام عناصر أمنية على متن السفن وتطوير أساليب جديدة للتهرب من الرقابة والعقوبات.

تكشف المعطيات الأخيرة أن روسيا لا تكتفي بالدفاع عن أسطولها البحري غير الرسمي، بل تعمل باستمرار على تطوير أساليب تشغيله؛ فبعد أن أصبحت بعض السفن هدفاً متزايداً للمراقبة الغربية والهجمات المرتبطة بالحرب في أوكرانيا، بدأت موسكو في تعديل بنيتها التشغيلية.

وأظهرت البيانات أن نسبة السفن التي يقودها قادة روس ارتفعت بشكل ملحوظ خلال السنوات الأخيرة، ما قلل الحاجة إلى وجود حراس أمن لمراقبة قادة أجانب أو طواقم متعددة الجنسيات. 

كما اتجهت روسيا بصورة أكبر إلى استخدام سفن مسجلة تحت ولايتها أو تخضع لنفوذها المباشر.

ويعتقد محللون أن هذا التحول جاء استجابة للضغوط المتزايدة التي تعرض لها الأسطول المظلم، بما في ذلك المخاوف من استهداف بعض السفن بطائرات مسيرة أو عمليات تخريبية مرتبطة بالصراع الأوكراني الروسي.

وتؤكد التطورات الأخيرة أن "الأسطول المظلم" لم يعد مجرد شبكة لنقل النفط بعيداً عن العقوبات، بل تحول إلى منظومة معقدة تجمع بين المصالح الاقتصادية والاعتبارات الأمنية والعسكرية. 

فبالنسبة لموسكو، يمثل استمرار تدفق صادرات النفط ضرورة استراتيجية للحفاظ على الإيرادات المالية، بينما ترى الدول الغربية أن تشديد الرقابة على هذه الشبكة يشكل جزءاً أساسياً من جهود الضغط الاقتصادي على روسيا.

ومع استمرار الحرب في أوكرانيا وتوسع العقوبات الغربية، تبدو المواجهة بين أوروبا و"الأسطول المظلم" مرشحة لمزيد من التصعيد، في وقت تواصل فيه روسيا إظهار قدرة كبيرة على التكيف وإعادة تنظيم أدواتها للحفاظ على أحد أهم شرايين اقتصادها.


الأكثر قراءة

معــارك «المعــادلات» بـين الكـسر والتثبــيت؟ لودريان على خط الوساطة... وعين التينة تنتظر «أجوبة»