اشترك مجانا بقناة الديار على يوتيوب

تعد سوريا موطنا لإحدى أقدم التجمعات المسيحية في العالم، وفي بلدة «معلولا» على مقربة من دمشق لا يزال السكان يتحدثون باللغة الآرامية، وهي لغة السيد المسيح، كما أنها لا تزال مقرا للعديد من البطريركيات والكنائس مثل بطريركية أنطاكية وسائر المشرق للروم الأرثوذكس، وبطريركية السريان الأرثوذكس، وبطريركية الملكيين الكاثوليك، إضافة إلى أن مار مارون، مؤسس البطريركية المارونية، كان قد انطلق منها لتأسيس كنيسته في القرن الرابع الميلادي، وتشير إحصائيات إلى أن نسبة المسيحيين في سوريا كانت تتعدى ال 50% من عدد السكان قبيل الغزو العثماني للمنطقة العربية مطلع القرن السادس عشر، وفي أواخره تقلصت النسبة إلى نحو 25%، أما قبيل اندلاع الأزمة السورية، ربيع العام 2011، فكانت تلك النسبة عند 11% وبعدد هو بين 2.5 - 3 مليون شخص، في حين أشار تقرير لمؤسسة «عون الكنيسة المتألمة ACN» للعام 2026 إلى أن عدد المسيحيين في سوريا الآن هو بين 300 - 400 ألف، وأضاف «إن أكثر من نصف الباقين هم فوق سن الخمسين».

بعيد أيام من سقوط نظام الأسد أصدرت «مديرية شؤون الأقليات»، التي كانت معتمدة في إدلب سني سيطرة «هيئة تحرير الشام»، بيانا جاء فيه أن «المسيحيين سيظلون آمنين تحت حكومة سوريا الجديدة»، وقد التقى القادة المسيحيون بالرئيس الشرع أواخر شهر كانون الأول من العام 2024، واستمر هذا التواصل على امتداد العام الأول من المرحلة الانتقالية بما فيها زيارة الشرع إلى البطريرك يوحنا العاشر اليازجي شهر تشرين الأول من العام الفائت، والتي أكد الطرفان من خلالها على «واجباتهما تجاه البعض في حماية المسيحية السورية ودعم الدولة» وفقا للبيان الصادر عن بطريركية أنطاكية في أعقاب تلك الزيارة، وبشكل عام يوحي السياق السابق إلى إصرار الطرفان، الحكومة والمسيحيين، على إشاعة مناخات الأمان الذي شعر به المجتمع المسيحي لكن مع وجود العديد من التحديات الأمنية، ففي أعياد الميلاد للعام 2024 حرق مقاتلون شجرة عيد الميلاد، وفي 17 شباط 2025 قام مجهولون بتدمير صلبان في مقبرة بريف حمص، وفي 7و 8 آدار 2025 قتل بعض المسيحيين خلال أحداث الساحل الدامية، وفي 6 نيسان من هذا العام الأخير أحرقت سيارة لعائلة مسيحية في مدينة حماة، وفي 8 حزيران من العام نفسه تعرضت كنيسة في حمص لإطلاق نار، لتصل الذروة يوم 22 حزيران عبر التفجير الانتحاري الذي تعرضت له كنيسة «مار الياس» بدمشق، والذي راح ضحيته 25 مصليًا، وإصابة 60 آخرين، وعلى الرغم من أن السلطات القائمة كانت قد دانت تلك الأفعال عبر بيانات رسمية، فإن ذلك لم يكن كافيا لتهدئة روع المسيحيين واستعادة الثقة المهتزة ما بينهم وبين الواقع الجديد.

يكمن نجاح الحكومة في المسار الذي اختطته لطمأنة المسيحيين في تعزيز الثقة، وأن تظهر الأخيرة جدية في حماية المجتمع المسيحي، وإلا فإن التجربة العراقية، التي قادت إلى عراق شبه خال من المسيحيين، ستكون حاضرة في سوريا التي سيغادرها المسيحيين تاركين إرثا تاريخيا وراءهم.


الأكثر قراءة

معــارك «المعــادلات» بـين الكـسر والتثبــيت؟ لودريان على خط الوساطة... وعين التينة تنتظر «أجوبة»