يختلف جاك بيرك الباحث والمستشرق الفرنسي ومترجم القرآن عن غيره من المستشرقين بأنه «يسكن بين ضفّتين الضفّة الغربية والضفّة الشرقيّة» وفقاً لتعريف الدكتور شربل داغر في كتاب له حول التطوّر الفكري للاستشراق والاسلام والحداثة والتحوّلات التاريخية والثقافية في العالم.
وفي التحوّلات الحاليّة التي أصابت المنطقة وصعود الحركة الاسلامية في ايران يأخذ جاك بيرك على المثقّفين العرب أنهم فشلوا في صياغة حداثة سياسية وفكريّة، ما انتج عملياً معوقات العالم العربي الحديث. وهذا يعني أن الخاسر الكبير في التحوّلات هو العالم العربي بدوله مجتمعة وأنه ليس من الصحيح كما يذهب البعض من المفكّرين أن السبب هو كون المجتمعات العربية محكومة بالماضي. فهو يرفض هذه الفكرة.
واقع الأمر اذا نظرنا الى التحوّلات العميقة في المنطقة نلمس بوضوح ان العالم العربي هو الخاسر الكبير، اذ تغلّبت فيه النزعات الطائفية والاتنيّة وغياب التضامن والرؤية السياسية البعيدة، ما جعله هدفاً للاستتباع اميركياً ولمشروع اسرائيلي في التوسّع الجغرافي والسياسي خارج حدود الدولة العبرية وسوقاً للدول العظمى وسقوط المقاربة التي كانت تعتبر الدول الخليجية ملاذاً آمناً للاستثمار ومركزاً مالياً متقدّماً في دبي وانتعاشاً باتجاه تميّز عالم الاتصالات والذكاء الاصطناعي. وملامح التراجع العربي في الدور والاقتصاد والمال جسّدته الحرب الاميركية-الاسرائيلية على ايران، ما جعل القواعد العسكريّة الاميركيّة في دول الخليج عرضة للصواريخ الايرانية، ما استتبع هجرة الشركات المتعددة الجنسية الى اسبانيا والبرتغال وبلجيكا وسويسرا. وكل ذلك أدّى الى البحث عن شبكة امان متعددة الاطراف، بعد ان ثبت أن شبكة الامان الاميركية لا تحمي الجغرافيا الخليجية ولا مصالحها. فاستفادت من ذلك روسيا والصين ودول المحور الاسلامي تركيا ومصر وباكستان في البحث عن حماية حقيقية وفي تطبيع العلاقات مع الجمهورية الاسلامية في ايران، وتحديداً من المملكة العربية السعودية ودولة عمان وقطر. ومع ذلك بقيت المقاربات مختلفة بين الرياض وابو ظبي.
في كل الاحوال العالم العربي في وضع المتلقّي وليس الفاعل ولا يخرجه من هذه الصورة سوى فكرة العروبة واحترام الاتنيّات وحقوقها بالدور الذي اشار اليه جاك بيرك في صياغة حداثة سياسية وفكرية، لأن خارج هذا الدور العالم العربي مهدّد بالتفكّك والتآكل والخوف من الآخر وتعميم ظاهرة الاستبداد والالغاء والحروب الداخلية.
ومع ذلك ثمّة ظاهرة ايجابية وهي ان المشروع الاسرائيلي بالتوسّع يصطدم بالاستعصاءات وهو غير مؤهّل للتحقق بحكم التباينات مع المشروع الاميركي، وايضاً صعود «دول المحور الاسلامي» المتضرّرة من مساعي نتنياهو واليمين الديني بتحويل اسرائيل الى قوة عالمية عظمى، وهي ناحية ايضاً مكان اعتراض روسي وصيني.
فمأزق رئيس الحكومة الاسرائيلية بنيامين نتنياهو انه فشل عبر البوابة اللبنانية في استدراج الرئيس الاميركي دونالد ترامب الى الحرب من جديد، علماً بأنه الاكثر معرفة بين السياسيين الاسرائيليين بكيفية اتخاذ القرار الاميركي. وهذا يثبت أن الدولة العميقة في الولايات المتحدة هي صاحبة القرار على المسار الاميركي-الايراني وعلى المسار اللبناني-الاسرائيلي وأن اليمين الديني اليهودي لا يستطيع «العصيان» على الارادة الاميركية، ويبقى فاعلاً ثانويّاً يرتفع منسوب فشله في الداخل الاسرئيلي في المرحلة المقبلة حيث يرتفع السؤال في وجه هذا اليمين الديني ومعه نتنياهو ما الذي حققه المشروع الاسرائيلي في التوسّع الجغرافي سوى توسيع دائرة الاعداء.
الأكثر قراءة
عاجل 24/7
-
00:06
الجيش الإسرائيلي: الإنذار المبكر في الشمال خاطئ.
-
00:01
حزب الله: قصفنا بالصواريخ تجمعات للعدو الإسرائيلي في القنطرة والبياضة والقوزح ورشاف في جنوب لبنان.
-
23:57
الجبهة الداخلية الإسرائيلية: إنذار مبكر عقب رصد هجوم صاروخي من لبنان يستهدف كريات شمونة ومناطق عدة شمالي "إسرائيل".
-
23:54
نائب الرئيس الأميركي جاي دي فانس لـ "سي بي إس": قريبون جدا من التوصل إلى اتفاق يعالج البرنامج النووي الإيراني على المدى الطويل.
-
23:48
التلفزيون الإيراني عن مصدر عسكري: لم ننفذ أي عمليات عسكرية هجومية جوية بمضيق هرمز خلال الـ24 ساعة الماضية.
-
23:19
ترامب لوول ستريت جورنال: الحصار يجعل إيران فقيرة للغاية وسيبقى ساريا طالما دعت الحاجة إلى ذلك.
