تيولوجيا الموت والقيامة في جمعة الصلب العظيم

13 حزيران 2026 الساعة 00:00
تيولوجيا الموت والقيامة في جمعة الصلب العظيم
A- A+

البروفسور الاب يوسف مونس

انقلب معنى الصليب

‎هنا تأخذ كلمة «صُلِب لأجل خلاصنا» معنىً آخر. الصليب يأخذ في المسيحية في العهد الجديد معنى آخر. هو علامة الخلاص المميَّزة. وكلّ الرموز القديمة كسرت وهدمت. فبالصليب نتعمّد ونوسَم. طوال عمرنا نرسم إشارة الصليب على وجوهنا. الصليب هو رمز المسيحي المميَّز وهو يوجز البشارة المسيحية ويختصر لاهوتها كما يقول بولس في رسالته الأولى إلى أهل كورنتوس 2/2 «لا يريد أن يعرف إلاّ يسوع المسيح وإياه مصلوباً».

‎لكن الصليب في البداية كان عثرة وشكّاً ولعنة ومهانة «ملعون من علّق على خشبة». إنّه علامة الإثم والجريمة والمخالفة. لذلك هو ينتصب أمامنا كسؤال كبير نصطدم به في حياتنا الشخصية: إنه في المرض العضال الذي لا يرجى منه شفاء. إنّه في العذاب المرير الذي ليس له دواء. إنّه ساكن في الخيبات المرّة والإخفاقات الكاسرة للظهر. إنّه ضربات الشؤم والغدر والكوارث القاتلة. إنّه الموت المفجع. صليب يسوع نفسه هو مسألة معضلة عصيبة. هو البريء الذي لم يأتِ سوءاً. أسلم نفسه للموت القاسي لخلاصنا وليفتدينا قدّم ذاته كفارة عنّا لأنّه أحبنا وأحبنا مجّاناً للغاية. هو الذي يعطي المعنى لعذاب الأبرياء والأنقياء ويعطي معنى لصراخ «كامو» القائل في كتابه «الطاعون» إنه لا يستطيع أن يفهم إلهاً يعذّب الأطفال والأبرياء.

‎لذلك تحمّل لأجلنا قساوة السجن ومرارة خيانة الأصدقاء وهربهم والتخلّي عنه وإلصاقهم به الاتهامات والشهادات الكاذبة والكلام الكاذب ونار السخرية والازدراء ولسعات الشتم والسياط وإهمال الله، والجميع يصرخ: تعالوا ننظر حتى أتى به بيلاطس وكأنّه جمع في شخصه كل البشرية وكأنّ آلام الكون تجمّعت فيه وصرخ. «هوذا الرجل». هوذا الرجل في هذه الحالة الكارثية لأجلكم، وهو البريء لأجل الكثيرين يبذل ذاته حبّاً. ولم يصنع أي إثم أو أية خطيئة. الصليب هنا يأخذ كلّ معناه الخلاصي في ملحمة الحب والبذل والعطاء: «ما من حب أعظم من هذا» وصار الصليب حباً مخلصاً وتحوّلت اللعنة كما في غلاطية (3/13) من علامة العار والاحتقار إلى نهر خلاصي فدائي جارف يظهر محبّة الله للبشرية الذي ترك ابنه الحبيب يموت لأجل خلاصنا. بصليب يسوع صالحنا الله. إنها دلالة محبة الله المتجرّدة عن ذاتها. هذا هو صوت المحبة: حمل آلامنا، طعن بسببنا سحق لأجل آثامنا. هو حمل خطايا كثيرين. إنه الكفارة البريئة، الذبيحة النقية. إنّه التعويض الإلهي عن جرح خطيئتنا في كينونتنا الآثمة.

‎مجد المحبة

‎هنا يصبح للعنة الصليب معنى مجد المحبة. إنّه معنى وجودي كياني. فمن أراد أن يحبّ يسوع فعليه أن يتبعه حاملاً صليبه، أي حاملاً المحبة ونحن نحمل في أجسادنا يسوع كما يقول بولس: موت يسوع لتظهر حياة يسوع في أجسادنا ونعطي معنى للألم والوجع والموت والحياة، ونكمّل في أجسادنا ما نقص من الآم يسوع. يا لمجد رسالتنا في معطوبية وجودنا الفاني.

‎فلنلتزم الصليب أي نلتزم يسوع. نلتزم المحبة والقيامة فلا معنى للمسيحيّة من دون الصليب المغروز في القبر الفارع كما في انجيل ربولا حيث تعلن الأيقونة أنّه ساعة مات قام وكما هو أيضاً في الأيقونة البيزنطية: صليب يسوع القائم من الموت مغروز فوق الجحيم وله تعطي القيامة كلّ مجد الحبّ والخلاص والفداء. يوم الجمعة عظيم. هو يوم فيضان المحبة. ولا معنى لأي حياة مسيحية إلاّ في هذا الالتزام الكياني الوجودي، الصائر أيقونة للمحبة. 

Lighthouse
logo
close
سيكون لديك دائمًا ما تتحدث عنه!
من الأخبار العاجلة إلى آراء الكتّاب، مرورًا بنصائح صحية مفيدة, لا لحظة مملة هنا!
دائمًا هناك ما يستحق المشاركة.
illustration