اشترك مجانا بقناة الديار على يوتيوب

ليس عابرا في التوقيت كما في المضمون القرار السعودي استئناف استقبال الصادرات اللبنانية. ففي وقت ينشغل لبنان والمنطقة بالكباش المتواصل الأميركي- الايراني وتداعياته، قررت المملكة اعطاء جرعة دعم للسلطة في لبنان في ظل الهجمة الشرسة التي تتعرض لها من قبل حزب الله نتيجة قرارها مواصلة التفاوض المباشر مع اسرائيل في واشنطن.

فلطالما اشتكى الرسميون اللبنانيون من أن الدول "الصديقة" لم تدعم العهد والحكومة الا بالمواقف بغياب أي خطوات عملية فعلية سواء بملف الدعم المالي او حتى السماح لرعاياها بزيارة لبنان وصولا لملف الكهرباء وغيرها من الملفات. فباعتبار لبنان الرسمي، الخطوات التي اتخذها بموضوع حزب الله وسلاحه وصولا للهجمة المباشرة على ايران، كلها تستوجب ملاقاته في منتصف الطريق بدعم فعلي كي تصل رسالة واضحة للشعب اللبناني أن سياسات العهد والحكومة ستنهض فعليا بالبلد وأن الارتماء في حضن حزب الله وايران لن يأتي الا بالدمار والخراب.

ويمكن القول أن القرار السعودي الأخير المرتبط بالصادرات اللبنانية يندرج في هذا الإطار، بحيث تعتبر القيادة في المملكة أنه من المفيد إعطاء جرعة دعم للحكومة اللبنانية ورئيسها الذي تدعمه حتى النهاية وهي قامت بأكثر من مسعى في الأشهر الماضية للتصدي لمحاولات إسقاطه وحكومته بالشارع، لذلك ستستكمل هذا المسار بخطوات دعم جديدة تأتي تباعاً. وبحسب المعلومات فإن هناك مجموعة ملفات تعمل عليها الرياض لبنانياً، أبرزها إلى جانب دعم الرئاستين الأولى والثالثة والسعي لترتيب الأوضاع مع الرئاسة الثانية لضمان استقرار سياسي في البلد، إبقاء الدور السعودي ناشطا بملف التفاوض لوقف النار.

وتشير المعطيات إلى أن الرياض تكثّف اتصالاتها مع أكثر من دولة وعبر مساري واشنطن وإسلام آباد، سعياً للوصول إلى صيغة تفضي إلى وقف شامل لإطلاق النار في لبنان، مع إدراكها الكامل للخطوط الحمراء التي تضعها إسرائيل. وانطلاقاً من ذلك، ترى المملكة أن التوصل إلى وقف لإطلاق النار قد يكون خطوة مناسبة حتى في حال لم يترافق فوراً مع انسحاب إسرائيلي مباشر من الأراضي اللبنانية.

وبحسب هذه المقاربة، تبدو الرياض متفهمة، وربما مؤيدة، لاستمرار الضغوط على الدولة اللبنانية وعلى حزب الله بهدف الوصول إلى نزع كامل لسلاح الحزب. كما تعتبر أن ورقة استمرار الاحتلال الإسرائيلي لبعض النقاط الحدودية قد تشكل أداة ضغط فعّالة في هذا السياق، من خلال ربط أي انسحاب إسرائيلي كامل بتحقيق تقدم ملموس على صعيد إنهاء السلاح خارج إطار الدولة.

وتؤكد مصادر لبنانية رسمية أن زيارة وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان ولقاءاته مع المسؤولين اللبنانيين حملت أكثر من عنوان. فإلى جانب الشق الاقتصادي المرتبط بقرار رفع الحظر عن الصادرات اللبنانية إلى المملكة، تناولت المحادثات ملفات سياسية وأمنية تتصل بالمرحلة المقبلة وبمسار المفاوضات الجارية. وبحسب المصادر، جرى البحث في تفاصيل هذه الملفات بعيداً عن الأضواء، وسط تكتم شديد حيال الطروحات التي نقلها الجانب السعودي، وحصر تداولها ضمن قنوات رسمية ضيقة.

وليس خافياً أن الرياض تعارض بشكل واضح الطروحات المتداولة أميركيا بشأن تشجيع دمشق على الانخراط في مواجهة مع حزب الله بهدف استنزافه وفتح جبهة جديدة ضده بما يسهّل عملية نزع سلاحه. وبحسب المعطيات، تنظر المملكة إلى مثل هذا السيناريو باعتباره مدخلاً إلى فوضى واسعة في لبنان، قد يصعب احتواء تداعياتها أو التنبؤ بمآلاتها. لذلك تفضّل مقاربة تقوم على الضغوط السياسية والدبلوماسية وعلى تعزيز دور الدولة اللبنانية، بدلاً من الانزلاق إلى مواجهات ميدانية قد تفتح الباب أمام مرحلة من عدم الاستقرار لا يمكن تقدير حدودها الزمنية أو الأمنية.

بالمحصلة، تبدو السعودية اليوم اللاعب العربي الأكثر انخراطاً في الملف اللبناني، لكن من بوابة مختلفة عن تلك التي اعتمدتها في مراحل سابقة. فهي لا تسعى إلى مواجهة مفتوحة مع حزب الله ولا إلى خوض معارك بالوكالة داخل لبنان، بقدر ما تعمل على تعزيز موقع الدولة ومؤسساتها، واستخدام مزيج من الحوافز الاقتصادية والضغوط السياسية للوصول إلى واقع جديد تكون فيه السلطة الشرعية وحدها صاحبة القرار الأمني والعسكري. وبينما لا تزال الطريق إلى هذا الهدف طويلة ومعقدة، فإن المؤشرات الحالية توحي بأن الرياض قررت العودة بقوة إلى الساحة اللبنانية، لا كراعٍ للتسويات المؤقتة، بل كشريك في رسم ملامح المرحلة المقبلة وتوازناتها.