اشترك مجانا بقناة الديار على يوتيوب

‏حين يضيق الأفق وتثقل الأسئلة ويغيب الجواب الكبير... لا يبقى للإنسان إلا أن يفتش عن أوطانه الصغيرة .

‏الوطن لم يعد سطرا في كتاب الجغرافيا، ولا حدودا يرسمها قلم على خريطة. الوطن صار اليوم فنجان شاي يغلي على نار هادئة رغم انقطاع التيار، وصار رشة نعناع يقطفها الأب في شرفة ضاقت بها الأيام، وصار ضحكة طفل تتردد في درج البناية المظلم وقت التقنين فتبدد العتمة أكثر من أي مصباح.

‏لكن أي وطن صغير هذا، وأصوات النزوح تهز الجدران؟

‏أي فنجان شاي هذا والحقائب عند الباب، والعيون ترقب الطريق أكثر مما ترقب الغد؟

‏حين يتحول البيت من ملاذ إلى ذكرى، وحين يصبح الرحيل قدرا معلقا فوق رؤوسنا، يصبح السؤال الأخطر إلى أين ذاهبون؟

‏الخوف لم يعد همسا في القلب، صار ضيفا يوميا على المائدة، خوف الأم على أولادها وخوف الشيخ على ذكرياته، وخوف الشاب على عمره الذي يمر وهو ينتظر إشارة، ننام على أخبار الرحيل، ونصحو على سؤال واحد يتكرر في كل بيت، هل نبقى فنصير، أم نرحل فنبدأ من جديد؟ ومع ذلك، ورغم صوت الدول التي تهتز، ورغم قوافل النازحين التي تحمل على كتفها الوطن كله في كيس قماش، ورغم هذا الخوف الذي ينتظرنا عند كل منعطف، ما زال هناك من يغلي الماء، ما زالت هناك يد تفرم البقدونس وتقول منكمل.

‏هذا هو العناد الذي لا يفهمه التاريخ: أن نصنع من القلق يقظة، ومن الغربة صبرا، ومن السؤال المفتوح إلى أين؟ طريقا نمشيه خطوة خطوة.

‏هذا المقال ليس عن السياسة، ولا عن الأرقام التي انهكتنا، هذا المقال عنك… عنكِ أيتها الأم التي تخبئ دمعتها بابتسامة وهي تربط كيس الرحيل، وعنك أيها الأب الذي يخرج إلى عمله وقلبه معلق ببيت قد لا يجده عند عودته.

‏فلا تسألوني اليوم عن الوطن الكبير، دلوني فقط على فنجان الشاي الذي لم يبرد بعد، ففيه من الدفء ما يكفي لان نؤمن أن الغد وان تأخر وأن تشرد آت لا محالة، لأن الشعوب التي تعرف طعم الشاي في العتمة، تعرف أيضا كيف تشعل الشمس من جديد. 

الأكثر قراءة

"المذبحة الشيعية الكبرى"