اشترك مجانا بقناة الديار على يوتيوب

اذا كان العالم يعيش ساعات من الترقب، بانتظار تبلور المشهد النهائي للاتفاق الاميركي-الايراني، فان لبنان المترقب بدوره، يمر بحالة من الارتباك الامني والديبلوماسي، في ظل التعقيدات الخاصة بالجبهة اللبنانية، حيث تتداخل المسارات التفاوضية، وتتباعد في آن واحد، وسط ضياع واضح في التعامل مع المستجدات المتسارعة، التي تترك آثارا مباشرة على الوضع اللبناني، الغارق في خلافات عميقة حول بلورة استراتيجية الخروج من النفق الحالي. واذا كانت العناوين العامة التي تختصر بالنقاط الخمس: وقف النار، الانسحاب، عودة السكان، اعادة الاعمار، وتحرير الاسرى، متفقا عليها بين مختلف الافرقاء، فإن السبيل لتحقيق ذلك لا يزال نقطة خلافية، على الرغم من المحاولات الحثيثة المستمرة من قبل اكثر من طرف اقليمي، لمحاولة توحيد المواقف للمضي قدما نحو انتاج صيغة مقبولة من الجميع.

وفي هذا السياق، تشير اوساط سياسية متابعة لهذا الملف، الى ان الفترة الفاصلة عن موعد مفاوضات واشنطن في 23 الجاري مهمة جدا، لانها تأتي بعد التوقيع المفترض يوم الجمعة للاتفاق الاميركي- الايراني، حيث سيتضح موقع لبنان في هذا المسار، والاكثر اهمية هو معرفة مفاعيل الاتفاق على الارض، لجهة الزام "اسرائيل" بوقف الحرب على لبنان، والبت بملف الانسحاب من الأراضي اللبنانية. واذا جرى تثبيت هذين البندين، ستتغير الاولويات لدى الوفد اللبناني المفاوض، الذي سيذهب الى جولة التفاوض وبحوزته نقطتان متقدمتان على "الاسرائيليين"، وسيتركز البحث عندئذ على جدولة هذا الانسحاب، والاتفاق على ترتيبات امنية على جانبي الحدود، ولن يكون الجانب اللبناني مضطرا إلى الذهاب ابعد من ذلك، اقله في هذه المرحلة، وسيكون من الافضل ارجاء اي ملف آخر الى جولات لاحقة.

هذه الاستراتيجية يتبناها رئيس الجمهورية جوزاف عون، ويعتقد انه يمكن الاستفادة من الموقف الاميركي الراهن، للحصول على مكاسب للبنان، ولهذا عاد الى التأكيد على أن "لبنان مساره مستقل في المفاوضات، وان التفاوض تقوم به الدولة اللبنانية وهي سيدة قرارها... وأي تسوية ستتم من خلالنا لا على حسابنا".

لكن النيات الحسنة لا يمكن ان تصرف في السياسية الدولية، تقول مصادر معارضة للتفاوض المباشر، لان الخشية تبقى قائمة من محاولة اميركية، لمنح رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتانياهو "جائزة ترضية" في المفاوضات المباشرة، لتعويضه عن الاخفاق في التأثير في منع الاتفاق الاميركي- الايراني.

وفي هذا السياق، تلفت تلك المصادر الى ان الايام القليلة المقبلة، ستشهد تفعيل مسار التفاوض الثالث بين عين التينة وواشنطن، حيث يمكن لهذا الخط التفاوضي ان يثمر نتائج ايجابية، بفعل امساك "الثنائي" بالارض جنوبا، وقد بدأ رئيس مجلس النواب نبيه بري يمهد الطريق امام اليوم التالي للانسحاب الاسرائيلي، مراهنا على مفاعيل مسار "اسلام اباد"، بعد مناقشات مستفيضة مع المسؤولين الإيرانيين، الذين اكدوا ان لبنان يساوي الملف النووي بالنسبة لهم، وهو بات جزءا من الامن القومي الايراني.

ومن هنا، اكد بري خلال استقباله قائد قوة "اليونيفيل" اللواء ديوداتو أبانيارا امس، على أهمية بقاء قوة "اليونيفيل" العاملة في جنوب لبنان، وفق ولايتها المنصوص عليها في القرار 1701 "حتى تطبيقه"، مشدداً على دورها في مؤازرة الجيش اللبناني في مهمته الوطنية بالانتشار حتى الحدود الدولية، فور إنهاء الحرب الإسرائيلية على لبنان وانسحاب قوات الاحتلال إلى ما وراء الحدود الدولية.

وفي الخلاصة، وبرأي المصادر، لم يعد بالإمكان عزل المسار اللبناني عن محيطه، وكل الاطراف اللبنانية باتت تقر بذلك، لكن المراجعات الجدية للمواقف لم تحصل بعد، لان ثمة رهانًا على الوقت لدى فريق وازن، يعتقد ان الاتفاق الايراني - الاميركي سيفشل، ونعود الى المربع الاول.

لكن في المقابل، تكشف تلك الاوساط عن مساع جدية لدى اطراف اقليمية، لايجاد تقاطع بين المسارات، ويفضي الى تطوير فكرة المناطق التجريبية المرفوضة من قبل "الثنائي الشيعي"، بحيث تبقى عنوانا للتسويق، لكن مع تعديل جوهري على المستوى الجغرافي، بحيث تعتبر منطقة جنوب الليطاني كلها مساحة للاختبار، واذا نجحت تنسحب "اسرائيل" لاحقا من سبع نقاط استراتيجية، بعد التأكد من التنفيذ. لكن لا شيء نهائي بعد، ويمكن القول ان الانتظار سيد الموقف، بانتظار ان يتبلور المشهد الاقليمي...وعندئذ كلام آخر!

الأكثر قراءة

إنقاذ لبنان أم إزالة لبنان ؟