أم علي سليمان… ذاكرة تكريت التي لا تشيخ

19 حزيران 2026 الساعة 00:00
أم علي سليمان… ذاكرة تكريت التي لا تشيخ
A- A+

داني القاسم

في بلدة تكريت العكارية، تعيش الحاجة بدرية العلي، المعروفة بـ"أم علي سليمان"، كواحدة من أقدم أبناء المنطقة، وذاكرةٍ حيّة تختزن أكثر من قرن من الزمن. فمنذ ولادتها عام 1924، عاصرت تحولات كبرى وأحداثاً طبعت تاريخ عكار ولبنان، لتبقى شاهدة على أجيالٍ تعاقبت وتبدلت معها ملامح الحياة.

وبصوتٍ هادئ يختصر رحلة عمرٍ طويلة، تستعيد الحاجة بدرية ذكريات طفولتها في تكريت، حين كانت المحبة والتكافل عنوان الحياة اليومية. وتؤكد لـ"الديار" أن "أهل البلدة كانوا كعائلة واحدة، يتشاركون الأفراح والأحزان، ويقفون إلى جانب بعضهم البعض في مختلف الظروف".

وتقول إن "أصعب ما مرّ عليها خلال حياتي، كان فقدان الشباب في عمر الزهر، فيما بقي رحيل والدتي ووالدي الجرح الأعمق في ذاكرتي رغم مرور السنين". كما ترى أن "العلاقات بين الناس قديماً كانت أكثر ترابطاً ومودة، حيث كانت السهرات تجمع الأهالي وتوحدهم في الفرح والحزن".

أما اليوم، فتجد سعادتها الحقيقية في رؤية أبنائها وأحفادها وأحفاد أحفادها من حولها، مؤكدة أن "راحتها من راحتهم وفرحتها من فرحتهم". وبعد أكثر من 105 أعوام من التجارب والذكريات، تختصر رسالتها بكلمات بسيطة: "الدنيا بتمرق، واللي بيبقى هو المحبة".

وعبّر نائب رئيس بلدية تكريت طارق الترك لـ"الديار"عن فخره واعتزازه ، بأن تكون المعمّرة الحاجة بدرية العلي من أبناء البلدة، مؤكداً أنها "ليست مجرد سيدة من تكريت، بل تمثّل تاريخاً عريقاً من التضحية والخبرة والمعرفة".

وقال: "الحاجة بدرية العلي، التي تجاوزت المئة والخمس سنوات من عمرها، تُعدّ شاهدةً على حقباتٍ طويلة من الزمن، وقد استطاعت أن تنقل إلينا تفاصيل تلك المراحل بأسلوبٍ بسيط وعفوي ورائع، لتجعل من تكريت العكارية نافذةً تطل على الماضي والحاضر والمستقبل في آنٍ معاً".

أضاف: "إن وجود الحاجة بدرية بيننا ليس مجرد رقم في سجل المعمّرين، بل هو وسام عزّ لأهالي البلدة، ودرسٌ حيّ في الصبر والإرادة والمحبة. فهي تختزن في ذاكرتها تفاصيل زمنٍ جميل اتّسم بالبساطة والنقاء والتكاتف والأصالة، وهي قيم نفتقد الكثير منها في عصرنا الحالي".

وأشار إلى أن الحاجة بدرية "تمثّل إحدى الشخصيات الرمزية في تكريت"، قائلاً: "هي أمّ صابرة، وأمّ لشهيدٍ في الجيش اللبناني، واجهت تقلبات الحياة بصبرٍ وإيمان، وقدّمت الكثير من التضحيات والعطاء حتى أصبحت جزءاً لا يتجزأ من ذاكرة البلدة وتاريخها".

وفي ما يتعلق بتكريمها، رأى أن "أي تكريم أو وسام يبقى أقل من قيمة وتاريخ الحاجة بدرية، لأنها محفورة في وجدان محبيها وأبناء منطقتها، وتشكل جزءاً من تاريخٍ لا ينتهي".

وختم قائلاً: "نسأل الله تعالى أن يمدّ في عمرها بالصحة والعافية، وأن تبقى نبراساً يضيء درب الاعتزاز بالجذور والأصالة واحترام كبار السن، فهم كنوز حقيقية وثروة إنسانية لا تُقدّر بثمن".

ويقول مختار تكريت ضياء طالب لـ"الديار" إن الحاجة بدرية "ليست مجرد معمّرة تجاوزت القرن من العمر، بل شاهد حي على تاريخ البلدة وتراثها وقيمها الأصيلة"، مشيراً إلى أن "وجودها بين أهلها اليوم يشكل جسراً يربط الماضي بالحاضر، ونموذجاً للحكمة والصبر والعطاء، ما يجعلها مصدر فخر واعتزاز لأبناء تكريت جميعاً".

وبين ذاكرةٍ تختزن أكثر من قرن من الزمن، ووجوهٍ من الأبناء والأحفاد تحيط بها اليوم، تبقى الحاجة بدرية العلي شاهدةً على زمنٍ مضى، ورسالةً حيّة بأن المحبة والتكاتف هما الإرث الأجمل الذي يتركه الإنسان للأجيال القادمة. 

Lighthouse
logo
close
سيكون لديك دائمًا ما تتحدث عنه!
من الأخبار العاجلة إلى آراء الكتّاب، مرورًا بنصائح صحية مفيدة, لا لحظة مملة هنا!
دائمًا هناك ما يستحق المشاركة.
illustration