سواء كان الرئيس الأميركي دونالد ترامب يقصد من مواقفه الأخيرة الدفع نحو إسناد دور عسكري لسوريا في مواجهة حزب الله داخل لبنان، أو كان يسعى إلى تكليفها بمهمة سياسية - دبلوماسية للمساهمة في معالجة ملف سلاح الحزب، فإن ما يثير الاستغراب لدى الدولة اللبنانية وشريحة واسعة من اللبنانيين هو إصراره على إقحام دمشق في الشأن اللبناني، وتحديداً في ملف سلاح حزب الله.
فبعد سنوات طويلة من معاناة اللبنانيين مع الوصاية السورية، ومحاولاتهم خلال المرحلة الماضية طيّ هذه الصفحة نهائياً، يبدو الطرح الأميركي بمنح سوريا دوراً في لبنان مثيراً للتساؤلات والمخاوف. إذ يخشى كثيرون أن يتطور هذا الدور خلال الأسابيع أو الأشهر المقبلة إلى شكل من أشكال التدخل في الشؤون اللبنانية، في وقت يسعى فيه لبنان جاهداً إلى فك ارتباطه بالمحاور الإقليمية، ومعالجة أزماته الداخلية بعيداً من أي وصاية أو نفوذ خارجي.
ولا شك أنه يُسجّل للرئيس السوري أحمد الشرع موقفه الحاسم برفض أي تدخل عسكري سوري في لبنان، وهو ما عاد وأكده في مقابلته التلفزيونية الأخيرة خلال الساعات الماضية، حين شدد على احترام سيادة لبنان ورفض الانخراط في أي عمل عسكري على أراضيه. إلا أن مواقفه حملت في المقابل إشارات إلى احتمال اضطلاع دمشق بدور سياسي أو دبلوماسي في مقاربة ملف سلاح حزب الله، ما يفتح الباب أمام تساؤلات حول طبيعة هذا الدور وحدوده، ومدى تقبل لبنان الرسمي والقوى السياسية اللبنانية لأي انخراط سوري في معالجة واحدة من أكثر القضايا الداخلية حساسية وتعقيداً.
وقد حرص الشرع في مقابلته الأخيرة على التأكيد أن تصريحات ترامب أُسيء فهمها أو جرى تفسيرها خارج سياقها. إلا أن هذا التوضيح لم يبدّد علامات الاستفهام، ولا سيما أن مواقف الرئيس الأميركي المتكررة خلال الأيام الأخيرة بدت واضحة في التهديد باستخدام الورقة السورية لمواجهة حزب الله عسكريا، اذ قال بوضوح يمكن الاستعانة بها بديلاً من إسرائيل لانهاء الجناح المسلح للحزب.
وترجّح مصادر واسعة الاطلاع أن تكون مواقف الرئيس الأميركي تندرج في إطار رفع سقف الضغوط التفاوضية على إيران وحزب الله خلال المرحلة الحساسة من المفاوضات الجارية في سويسرا، أكثر مما تعكس توجهاً أميركياً فعلياً نحو إسناد دور مباشر عسكري لسوريا في لبنان. وتعتبر هذه المصادر أن واشنطن تسعى إلى وضع مجموعة من الأوراق والخيارات على الطاولة لدفع الطرفين إلى تقديم تنازلات في الملفات العالقة، عبر الإيحاء بأن لديها بدائل وخططاً أخرى في حال عدم التجاوب مع مطالبها. ومن بين هذه الأوراق التلويح بإقحام سوريا في مواجهة مباشرة مع حزب الله، مستفيدة من طبيعة العلاقة المتوترة والمعقدة بين الجانبين منذ سنوات، ولا سيما بعد التدخل العسكري للحزب في الأزمة السورية وما خلّفه من تداعيات عميقة على علاقته بالسلطة السورية الجديدة.
وتتساءل المصادر في حديث لـ "الديار" عن "طبيعة الدور السياسي أو الدبلوماسي الذي يمكن أن تضطلع به دمشق في تقريب وجهات النظر بين الدولة اللبنانية وحزب الله، في وقت تبدو فيه إمكانات نجاح مثل هذا الدور محدودة للغاية. فالعلاقة بين الحزب والنظام السوري الحالي مقطوعة ومتوترة ودموية، ولا توجد مؤشرات إلى إمكان قيام قنوات تواصل أو تفاهمات بين الطرفين خلال المرحلة المقبلة تسمح لدمشق بلعب دور الوسيط أو الجهة التوافقية". ومن هنا، ترى هذه المصادر أن أي مسعى من هذا النوع قد يفتقر إلى مقومات النجاح، بخلاف أدوار يمكن أن تضطلع بها دول أخرى تحافظ على قنوات اتصال وعلاقات متوازنة مع مختلف الأطراف اللبنانية، وفي مقدمها الولايات المتحدة الأميركية وقطر، إلى جانب أطراف إقليمية ودولية أخرى قد تكون أكثر قدرة على المساهمة في إيجاد مقاربات توافقية لهذا الملف المعقد".
ولا شك أن ما يعني الدولة اللبنانية في المقام الأول راهناً هو إبعاد كأس أي مواجهات دموية محتملة بين سوريا وحزب الله عن الساحة اللبنانية، إذ يكفي لبنان ما شهده خلال السنوات الماضية من حروب وأزمات وانهيارات أمنية واقتصادية وسياسية. ومن هذا المنطلق جاء الاتصال الذي أجراه رئيس الحكومة نواف سلام بوزير الخارجية السوري أسعد الشيباني ، مثنيا على "الموقف الأخوي والصريح" تجاه لبنان الذي عبّر عنه الرئيس السوري أحمد الشرع خلال مقابلته التلفزيونية أمس، "والتي وضعت حداً للتكهنات والافتراضات المضللة حول نيات سوريا تجاه لبنان".
الأكثر قراءة
عاجل 24/7
-
12:44
الفاتيكان: البابا ليو الثالث عشر ينتقد قادة العالم الذين يدعمون الحروب بدلاً من إطعام الجياع: الأولويات العالمية منحرفة بشدة
-
12:44
الفاتيكان: البابا ليو الثالث عشر منتقداً قادة العالم لدعمهم الحروب بدلا من إطعام الجياع: يعكس خللاً جوهرياً في الأولويات السياسية والأخلاقية
-
12:38
غوتيريش: أي اتفاق سلام سيخفف تداعيات أكبر أزمة في أسواق الطاقة سببها الصراع في الشرق الأوسط
-
12:31
تحقيق للأمم المتحدة: "إسرائيل" ارتكبت إبادة في غزة وكبار المسؤولين الإسرائيليين بمن فيهم نتنياهو حرّضوا على هذه الأعمال
-
12:30
تحقيق للأمم المتحدة: "إسرائيل" استهدفت الأطفال الفلسطينيين عمداً ما أدى إلى ارتكاب جرائم حرب في غزة والضفة الغربية المحتلة
-
12:30
تحقيق للأمم المتحدة: نحو 30% من الضحايا في حرب غزة كانوا من الأطفال
