اشترك مجانا بقناة الديار على يوتيوب

للمرة الأولى في التاريخ الحديث، يتوجّه مسؤول أميركي بهذا الوضوح إلى مسيحيي لبنان، حاملاً رسالة دعم وطمأنة مفادها أن أي تسوية أو حلّ سياسي في لبنان لن يكون على حسابهم أو على حساب دورهم التاريخي في هذا الوطن. وقد جاءت كلمات نائب الرئيس الأميركي جيه دي فانس لتبدّد جانباً من القلق الذي يراود شريحة واسعة من المسيحيين اللبنانيين حيال مستقبلهم، مؤكداً أن الولايات المتحدة تقف إلى جانبهم وتدعم حقهم في البقاء والازدهار في أرضهم.

ولا شك في أن هذه الرسالة شكّلت دفعة معنوية مهمة لطائفة عُرفت بصمودها وثباتها في أخطر الظروف، وتمسّكها بخيار العيش المشترك مع سائر مكوّنات المجتمع اللبناني.إلا أن الواقع يفرض نفسه بقسوة؛ فالكلمات، مهما بلغت أهميتها، لا تكفي وحدها لازالة المخاوف المتراكمة. فالمسيحيون الذين عايشوا الحروب والتهجير والانهيارات الاقتصادية يدركون أن الضمانة الحقيقية لا تأتي من الخارج، بل من قيام دولة قوية وعادلة تحتضن جميع أبنائها وتحمي حقوقهم على قدم المساواة.

لقد شهدت مراحل عديدة من تاريخ لبنان «بقاء المسيحيين» في بعض مناطقهم إلى معركة وجودية، فهجرت قرى بأكملها، وتشتّتت عائلات، واضطر عشرات الآلاف إلى ترك وطنهم قسراً بحثاً عن الأمن والاستقرار ومستقبل أفضل لأبنائهم. ومن هنا، فإن حماية الوجود المسيحي في لبنان لا تتحقق عبر الرهانات الخارجية، بل من خلال التمسك بمشروع الدولة، وتعزيز سيادة القانون، وترسيخ الاعتدال والانفتاح، وصون التعددية الدينية والثقافية التي شكّلت على الدوام جوهر الرسالة اللبنانية.

وفي هذا السياق، تبرز أهمية إعادة وصل ما انقطع بين مسيحيي لبنان والانتشار، فالمسيحيون في الاغتراب ليسوا مجرد جاليات بعيدة، بل هم امتداد حيّ للوطن يحملون هويته وثقافته وقضاياه إلى العالم. ومن واجب الدولة والقوى السياسية والروحية العمل على تعزيز هذا الرابط وتحويله إلى عنصر قوة وطنية، لا إلى شاهد إضافي على نزيف الهجرة المستمر.

ولعلّ إحدى أكثر المحطات تعبيراً عن هذا الألم الوطني كانت خلال زيارة البطريرك الراحل مار نصرالله بطرس صفير إلى أستراليا. ففي أحد لقاءاته مع أبناء الجالية اللبنانية هناك،اختنقت عيناه بالدموع. وعندما سأله أحد الحاضرين عن سبب تأثره، أجاب بكلمات اختصرت وجعاً عميقاً: «انظر... لبنان أصبح في أستراليا، أما في لبنان فنحن الشتات والأقلية».

كانت تلك العبارة صرخة رجل رأى بأمّ العين آلاف اللبنانيين الذين اقتلعتهم الظروف من أرضهم واستقروا في أصقاع العالم، فيما الوطن الذي أحبوه لا يزال أسير الأزمات والانقسامات. حمل البطريرك صفير صليبه ومضى، لكن جرحه بقي مفتوحاً؛ جرح وطن يفقد أبناءه تباعاً، ويعجز عن إقناعهم بالعودة ما دام الاستقرار مفقوداً والدولة عاجزة عن توفير مقومات الحياة الكريمة.

إن مستقبل المسيحيين في لبنان، كما مستقبل جميع اللبنانيين، لا يُبنى على الوعود الخارجية مهما كانت صادقة، بل على إعادة بناء الدولة واستعادة الثقة بالمؤسسات وإطلاق مشروع وطني جامع يجعل من البقاء في لبنان خياراً ممكناً، ومن العودة إليه حلماً قابلاً للتحقق، لا مجرد حنين يسكن قلوب المنتشرين.