تتجاوز التحذيرات الصينية المتكررة من "النزعة العسكرية الجديدة" في اليابان مجرد القلق من زيادة الإنفاق الدفاعي أو تطوير القدرات العسكرية.
فبالنسبة لبكين، ترتبط القضية بمزيج معقد من الذاكرة التاريخية والمنافسة الجيوسياسية والتحولات الأمنية المتسارعة في شرق آسيا، وهو ما يجعل أي تغيير في السياسة الدفاعية اليابانية محل متابعة دقيقة وقلق متزايد.
وجددت هذه المخاوف حضورها خلال "حوار شانغريلا" الأمني في سنغافورة، بعدما رفض وزير الدفاع الياباني شينجيرو كويزومي الانتقادات الصينية، معتبرًا أن بكين، التي تمتلك إحدى أكبر الترسانات العسكرية في العالم، ليست في موقع يسمح لها بتوجيه اتهامات لليابان بشأن التسلح، بحسب "moderndiplomacy".
خلاف يتجاوز السلاح
رغم أن الخطاب الغربي يفسر التحركات الدفاعية اليابانية باعتبارها استجابة طبيعية للتحديات الأمنية المتزايدة في المنطقة، فإن الصين تنظر إلى القضية من زاوية مختلفة تمامًا.
فبكين لا تركز فقط على حجم القدرات العسكرية اليابانية، بل على ما تعتبره تحولًا أوسع في الهوية السياسية والأمنية لليابان. ومن وجهة النظر الصينية، فإن الخطر لا يكمن في امتلاك طوكيو مزيدًا من الأسلحة، وإنما في احتمال تراجعها التدريجي عن القيود السياسية والأخلاقية التي فرضت عليها بعد هزيمتها في الحرب العالمية الثانية.
وترى الصين أن بعض القضايا الخلافية، مثل الجدل حول ضريح ياسوكوني، ومحتوى كتب التاريخ المدرسية، وملف "نساء المتعة"، تعكس استمرار خلافات جوهرية حول تقييم الماضي الإمبراطوري الياباني. ولذلك تنظر بكين إلى هذه الملفات باعتبارها مؤشرات على أن بعض التيارات السياسية اليابانية لم تحسم موقفها بالكامل من إرث الحرب.
وفي هذا السياق، تحرص الصين على إبراز سرديتها الخاصة للحرب العالمية الثانية، حيث استخدمت الاحتفالات بالذكرى الثمانين للانتصار على الفاشية لتأكيد رؤيتها للنظام الدولي الذي تأسس بعد عام 1945، وللتذكير بالدور الذي لعبته اليابان الإمبراطورية في المنطقة.
التحول الدفاعي الياباني
ازدادت الشكوك الصينية مع تسارع وتيرة التحديث العسكري الياباني خلال السنوات الأخيرة، خاصة في ظل السياسات التي تبنتها الحكومات المتعاقبة منذ عهد رئيس الوزراء الراحل شينزو آبي، والتي استهدفت تعزيز القدرات الدفاعية وتوسيع التعاون الأمني مع الشركاء الإقليميين.
وتنظر بكين بقلق خاص إلى التوجهات التي تبنتها رئيسة الوزراء اليابانية ساناي تاكايتشي، والتي تعتبرها أكثر تشددًا مقارنة بسابقيها. فالصين ترى أن تسريع برامج التسلح، وتوسيع الشراكات الأمنية، وإعادة تفسير بعض المبادئ الدفاعية التقليدية، قد يؤدي إلى تغيير جوهري في البيئة الأمنية المحيطة بها.
كما يثير الغموض الذي يحيط بمستقبل المبادئ اليابانية الثلاثة غير النووية مخاوف إضافية لدى بكين. ورغم عدم وجود دعوات رسمية لتطوير سلاح نووي ياباني، فإن أي مرونة مستقبلية في هذا الملف تُعد من وجهة النظر الصينية تطورًا إستراتيجيًّا بالغ الحساسية.
وتخشى بكين أيضًا أن يؤدي تعميق التعاون العسكري بين اليابان والولايات المتحدة إلى تعزيز شبكة الاحتواء الإقليمي التي ترى أنها تستهدف الحد من صعود الصين ونفوذها البحري.
تايوان في قلب التوتر بين بكين وطوكيو
يبرز ملف تايوان باعتباره أحد أهم أسباب التوتر بين الصين واليابان في المرحلة الحالية.
فالصين تعتبر إعادة توحيد الجزيرة هدفًا إستراتيجيًّا لا يمكن التنازل عنه، بينما ترى اليابان أن أيّ صراع محتمل في مضيق تايوان ستكون له تداعيات مباشرة على أمنها القومي ومصالحها الاقتصادية.
وقد أثارت تصريحات مسؤولي طوكيو بشأن احتمال اعتبار أيّ أزمة في تايوان تهديدًا للأمن الياباني ردود فعل غاضبة في بكين، التي تنظر إلى هذه المواقف باعتبارها مؤشرًا على احتمال تدخل اليابان في أي مواجهة مستقبلية عبر المضيق.
وتزداد حساسية القضية بسبب الخلفية التاريخية للعلاقات بين الطرفين، إذ لا تزال الصين تستحضر ضم اليابان لتايوان عام 1895 بعد الحرب الصينية اليابانية الأولى؛ ما يمنح الملف بُعدًا تاريخيًّا يتجاوز الحسابات العسكرية الراهنة.
وفي المقابل، ترى طوكيو أن الأنشطة العسكرية الصينية المتزايدة في بحر الصين الشرقي، وتوسع النفوذ البحري لبكين، يمثلان تحديًا مباشرًا للأمن الإقليمي، وهو ما يدفعها إلى تعزيز قدراتها الدفاعية وتوثيق تعاونها مع الولايات المتحدة وشركاء آخرين في منطقة المحيطين الهندي والهادئ.
ويحذر محللون من أن الخطر الأكبر لا يتمثل فقط في تضارب المصالح بين البلدين، بل في تزايد انعدام الثقة المتبادل. فكل خطوة تتخذها اليابان لتعزيز أمنها تفسرها الصين باعتبارها محاولة لاحتوائها، بينما تنظر طوكيو إلى التحركات العسكرية الصينية باعتبارها دليلًا إضافيًّا على تنامي التهديد القادم من بكين.
ومع تراجع قنوات الحوار التقليدية بين الجانبين، تصبح احتمالات سوء التقدير أكثر خطورة، خصوصًا في ظل التنافس المتصاعد حول تايوان وبحر الصين الشرقي.
لذلك يرى مراقبون أن استئناف التواصل السياسي رفيع المستوى بين بكين وطوكيو بات ضرورة ملحة ليس لحل الخلافات التاريخية والإستراتيجية فحسب، بل أيضًا لِمنع تحوّلها إلى أزمات أمنية قد تهدد استقرار المنطقة بأكملها.
الأكثر قراءة
عاجل 24/7
-
14:34
ترمب: إعادة فرض الحصار على #إيران غير مرجحة في هذه المرحلة إلى حد كبير
-
14:34
ترمب: المحادثات مع #إيران تسير على ما يرام
-
14:33
ترمب: إيران وافقت بشكل تام وكامل على أعلى مستوى من عمليات التفتيش النووي لفترة طويلة في المستقبل
-
14:33
ترمب: هذا سيضمن النزاهة في الملف النووي وإذا لم توافق #إيران على هذا فلن تكون هناك مفاوضات أخرى
-
14:15
رئيس وزراء باكستان: مذكرة التفاهم الموقعة بين #طهران وواشنطن ستتحول إلى اتفاقية طويلة الأمد بعد ستين يوما
-
14:15
قاليباف: إيران وسلطنة #عمان شكلتا لجنة مشتركة لمناقشة مضيق هرمز
