أفادت صحيفة هآرتس الإسرائيلية بأن المحادثات بين الوفدين الإسرائيلي واللبناني استؤنفت برعاية أميركية ضمن إطار سياسي جديد، إطار فرضه على "إسرائيل"، ليس فقط الرئيس ترامب، بل أيضاً "شريكتها" الجديدة إيران.
وتابعت الصحيفة أنه "في حين تواصل "إسرائيل" التحدث بلغة الإنجازات العسكرية وتدمير بنية حزب الله التحتية، وعدد الذين تم قتلهم، فإن الترتيب الذي بدأ يتشكل في لبنان سيصاغ بلغة مختلفة، لغة الآليات والمفتشين والضمانات والتنسيق"، لافتةً إلى أن "هذه لغة لم تعد "إسرائيل" فيها هي الكاتب الرئيسي، وربما ليس حتى الكاتب الثانوي فإن قرار إنشاء "خلية خفض التصعيد" مثلاً، الحل الإبداعي الذي انبثق على ضفاف بحيرة لوسيران لإنقاذ المفاوضات بين أميركا وإيران من شرك التوتر في لبنان، لم يعد مجرد إطار تقني يقتصر دوره على تثبيت وقف إطلاق النار ومنع تدهوره. فهذه الخلية ليست غرفة عمليات فحسب، بل نموذج سياسي يعكس انتقالاً هادئاً للسيادة، ليس سيادة على الأرض بل على السلطة.
وأضافت "هآرتس" أن هذه "الخلية" ستحدد من الذي يراقب ويتوسط ويقدم الضمانات ويكتفي بدور الحصول على التحديثات. عندما تقدم إيران هذه الخلية كخطوة نحو دمجها في الترتيبات الأمنية الإقليمية، لا سيما في لبنان، فإنها تشكل تحولاً تاريخياً وانتقالاً من هامش "محور المقاومة" إلى مركز الصدارة في الترتيبات الإقليمية.
ولفتت الصحيفة إلى أنه هنا يكمن إنجاز إيران، لا لأن طهران عادت إلى ساحة لبنان عبر القنوات الدبلوماسية فحسب، بل لأنها تفعل ذلك من أعلى، من الجهة التي تضع القواعد، وإذا تم التوصل إلى تفاهمات حول الإفراج عن الأصول المجمدة للإيرانيين، وإذا فتحت واشنطن بالفعل نافذة لتخفيف العقوبات المفروضة على قطاع النفط وقطاع البتروكيماويات، فإن لبنان لم يعد مجرد ساحة صراع غير مباشر بين "إسرائيل" وإيران، بل ورقة مساومة وعملة متداولة بين تجار السوق، وأداة لتسوية النزاعات التي لا صلة لها به. وذلك لأن إيران لم تعد تقدم نفسها كداعمة لحزب الله فقط، بل كجهة تسهم في الاستقرار الإقليمي. وفي المقابل، تطالب بالاعتراف وتحصل عليه، فتنتقل من وضع المشتبه فيه الدائم إلى وضع المساهم.
وأشارت إلى أن "الرسالة الأهم بالنسبة لإيران ليس ما حصلت عليه، بل ما لم تحصل عليه. إن تأكيد إيران في بيانها على أن "إسرائيل" ليست جزءاً من العملية، ليس هامشاً فقط، فقد صممت "إسرائيل" لسنوات على أنها هي وحدها التي تفهم لبنان وتعرف كيفية التعامل معه وتفكيك معادلة حزب الله. الآن، أصبح واضحاً أن النقاش حول الحل في لبنان يجري بشكل متزايد من دون مشاركتها. ما زالت "إسرائيل" تمتلك القوة النارية والقدرة على التهديد، لكن يبدو أنها تستطيع مواصلة إطلاق النار دون اتخاذ قرار. والأسوأ أن الإطار الذي أنشئت بحسبه آلية المراقبة هذه، يعامل "إسرائيل" وحزب الله على قدم المساواة باعتبارهما منتهكين محتملين للاتفاق.
وتابعت الصحيفة الاسرائيلية: أما لبنان فهو الآن في قبضة مزدوجة خانقة، فمن جهة، هناك كماشة أميركية إيرانية، وهي آلية تسعى إلى استقرار وقف إطلاق النار ومنع تمدده إقليمياً وجعل جبهة لبنان جزءاً من إطار أوسع للاتفاق. ومن جهة أخرى، هناك كماشة أميركية إسرائيلية تطالب لبنان بنزع سلاح حزب الله، أو على الأقل إبعاده من الجنوب وتغيير قواعد اللعب على الحدود بالقوة. يطلب من لبنان القيام بمهمة شبه مستحيلة: أن يكون شريكاً في اتفاق يهدف إلى الاستقرار، وفي الوقت نفسه يمتثل لطلب منطقة الحسم، وإظهار السيادة في حين يُعهد بسيادته للآخرين، لا سيما بفضل إسهام "إسرائيل".
أكملت هآرتس: في خضم هذه المعضلة، يعيد نبيه بري، رئيس البرلمان المخضرم ورئيس حركة أمل الشيعية، لعب دوره المعهود: تحويل الجمود إلى صيغة راسخة للرفض. إن اقتراحه تحديد الانسحاب حسب تقسيم المحافظات، بما يسمح للسكان بالعودة إلى القرى المدمرة، ليس اقتراحاً تقنياً فحسب، بل سبيل لإعادة مفردات الدولة إلى لبنان: المحافظات، السكان، إعادة الإعمار، العودة إلى الوطن، بدلاً من اللغة العسكرية للأشرطة والمناطق العازلة والمساحات التجريبية. أيضاً التزامه بانسحاب حزب الله من الجنوب على الفور بعد انسحاب "إسرائيل" لا يعدّ تعبيراً عن موقف لبناني حازم ضد الحزب، بل صيغة وساطة بري الكلاسيكية. ليس الهدف تفكيك حزب الله، بل إعادة صياغته ضمن اتفاق تدريجي.
أضافت: لا يقدر بري للبنان سيادة كاملة، بل مساراً محتملاً للبقاء في ظل الصراع بين القوى، فهو لا يزيل التناقض، بل يديره. لذلك، فإن النقاش حول “المناطق التجريبية”، النبطية وقلعة شقيف، أو ربما الشريط بين صور والزهراني، كما اقترح لبنان ورفضت ذلك "إسرائيل"، يتجاوز بكثير الخلاف على خارطة؛ فهو نقاش حول الملكية السياسية التي ستحدد من الذي سيقرر نقطة البداية، ومن يحدد ما هي المنطقة الآمنة، ومن يعطي الإشارة لعودة السكان، ومن يملي ترتيب الخطوات. "إسرائيل" ترفض، ولبنان يقترح، وواشنطن تراجع، وإيران تستفيد من وجود هذا النموذج بالفعل. أحياناً تكون المشاركة في الآلية أهم من نتيجتها المباشرة.
هناك المزيد. فمع الإفراج عن أموال إيران المجمدة، ربما تصبح إيران أيضاً بنكاً يمول إعادة إعمار جنوب لبنان. ولبنان نفسه يحاول الخروج من هذا المأزق دون السقوط فيه. الرئيس جوزيف عون، يعمل على تعزيز الدولة والجيش اللبناني على أمل تحويلهما إلى قوة سيادية حقيقية في الجنوب، ويستمر بري في التوسط بين مصالح لبنان وضرورة تجنب المواجهة المباشرة مع حزب الله والضغوط الأميركية والتهديد الإسرائيلي. ويدرك الفاعلون اللبنانيون الآخرون جيداً أن الصيغة الوحيدة التي تملك فرصة للبقاء تحتاج إلى جيش لبناني فعال ومنتشر وممول وله سلطة. المفارقة تكمن هنا أيضاً؛ فمن أجل تعزيز الجيش اللبناني ثمة حاجة إلى وجود ترتيب مستقر، ولترسيخ هذا الترتيب المستقر سيضطر لبنان إلى قبول حقيقة أن إيران تتحكم حالياً بشكل وثيق بمجريات الأمور.
أما عن سوريا، أفادت "هآرس" بأن المشهد السوري يضيف بعداً جديداً للصورة. قد يرغب ترامب في تجنيد سوريا في خطوة ضد حزب الله، لكن الرئيس أحمد الشرع أوضح مجدداً بأن دمشق لن تأتي كقوة عسكرية، بل كوسيط محتمل. عندما يصرح بأن سوريا لن تتدخل عسكرياً، وعندما يظهر استعداده للجلوس مع حزب الله إذا كان هذا يخدم مصالح لبنان وسوريا، فإنه يشير إلى تحول استراتيجي آخر أحدثته الأزمة. من مرحلة يطلب فيها من كل طرف اختيار جانب عسكري، إلى مرحلة يسعى فيها الجميع إلى إيجاد دور له في الترتيب. حتى سوريا الآن تريد أن تكون مركزاً سياسياً إقليمياً، ليس مجرد منطقة نائية جغرافية ملزمة بشكر ترامب على إنعاشها.
في خضم ذلك كله، تتجلى المشكلة الإسرائيلية بشكل متزايد في أشد صورها خطورة. ما زالت "إسرائيل" معتادة على الاعتقاد بأن السيطرة على الأراضي والتفوق الجوي وحرية عملها، لها قيمة تراكمية تترجم في أفضل الحالات إلى نفوذ سياسي، وفي الحالات العادية إلى عدم الحاجة إلى أي ترتيب سياسي يقيد حرية عملها.
مع ذلك، يثبت لبنان مرة أخرى، بطريقة كان يجب أن تكون درساً دائماً، أن هناك لحظة تنتقل فيها الحرب من ساحة المعركة إلى غرف المفاوضات، ويكتشف الذين لم يكلفوا أنفسهم عناء التواجد هناك بأن الدبابات لا تجيد صياغة الاتفاقات. قد تكون "إسرائيل" قوية، لكن السؤال الذي يطرح نفسه الآن هو: هل ما زالت ذات أهمية؟ في نهاية المطاف، السؤال لا يقتصر على موعد بدء الانسحاب أو مكان تحديد "المناطق التجريبية" أو عدد الألوية التي سيتمكن الجيش اللبناني من نشرها في الجنوب. والسؤال الأهم: من الذي يحدد الآن صورة لبنان ما بعد الحرب؟ وما دام الجواب يتأرجح بين واشنطن وطهران، فسيكون صعباً على "إسرائيل" إقناع الآخرين بأنها هي التي تدير الجبهة.
الأكثر قراءة
عاجل 24/7
-
00:14
انتهاء اليوم الأول من الجلسة الخامسة للمفاوضات اللبنانية - الاسرائيلية في وزارة الخارجية الأميركية، ومعلومات دبلوماسية تشير الى عدم حصول اختراق في المحادثات
-
23:52
سلطنة عمان: على السفن الراغبة بالعبور من مضيق هرمز التنسيق مع المنظمة البحرية الدولية
-
23:50
سلطنة عمان: الممر البحري المؤقت من هرمز متاح لجميع السفن
-
23:46
واللا عن مصدر أمني: "إسرائيل" قلقة لاحتمال أسر جنود بكفرتبنيت بلبنان لمقايضتهم بعناصر حزب الله المحاصرين بالأنفاق
-
23:45
واللا عن مصدر أمني: الجنود الإسرائيليون تلقوا تعليمات بالتحرك ضمن مجموعات ثنائية وثلاثية لحماية أنفسهم
-
23:42
سلطنة عمان: عملنا على توفير ممر بحري مؤقت من هرمز بالتنسيق مع المنظمة البحرية الدولية
