اشترك مجانا بقناة الديار على يوتيوب

- يونس لـ"الديار": الخطر في اعتياد العقل تدريجياً على الإستهلاك بدل الإنتاج

- الترند بدل الفكرة… والتقليد بدل الإبداع

- القيمة تقاس بعدد المشاهدات والتفاعل لا بعمق المحتوى

- التأثير الأخطر يظهر لدى الأطفال والشباب


لم تعد العلاقة بين الإنسان وشاشة الهاتف المحمول مجرد تفاعل عابر أو وسيلة ترفيه، بل تحولت إلى نمط حياة، يعيد تشكيل الوعي والسلوك، وحتى طريقة إدراك الذات والعالم. فبين مقاطع قصيرة تستهلك بسرعة، ومحتوى ينتج بكثافة بهدف جذب الانتباه أكثر من بناء المعرفة، تبدلت تدريجيا وظيفة العقل، من أداة تحليل وإنتاج إلى متلق دائم للاستهلاك.

وفي ظل هذا التحول، لم يعد المحتوى بحاجة إلى فكرة أو رسالة أو قيمة حقيقية كي ينتشر، إذ بات يكفي أن يكون غريبا أو صادما ليحصد المشاهدات، ويطلق موجات جديدة من التقليد.

منصات تعيد تشكيل السلوك الجمعي

وفي هذا السياق، يربط الاختصاصي في علم النفس إلياس يونس عبر "الديار" هذه الظواهر بالتحول الذي أحدثته منصات التواصل الاجتماعي في طريقة تفكير الأفراد، معتبرا "أننا لم نعد أمام تسلية عابرة، بل أمام منظومة تعيد تشكيل السلوك الجمعي، وتدفع الناس إلى إعادة إنتاج ما يحقق المشاهدة والتفاعل".

ويضيف إن "ما نشهده اليوم أقرب إلى ماكينة ضخمة وممنهجة تستنزف قدرات العقل النقدية، وتحوله تدريجيا إلى ما يشبه "الإسفنجة"، التي تكتفي بالامتصاص وإعادة التكرار، من دون قدرة فعلية على الفرز أو التحليل أو النقد". وبرأيه إن "الخطر لا يكمن في الفعل نفسه، بل في تحوله إلى نموذج يحتذى، ويعاد استنساخه بلا سؤال عن جدواه أو معناه، بحيث يصبح التقليد أسرع انتشارا من الإبداع، والحضور الرقمي هدفا بحد ذاته، حتى لو كان المحتوى فارغا من أي رسالة عميقة".

الذكاء الاصطناعي وتعميق الأزمة

ومع صعود تقنيات الذكاء الاصطناعي، يرى أن "الإشكالية أصبحت أكثر تعقيدا ، إذ وجد كثيرون أنفسهم أمام بديل جاهز للتفكير، يغنيهم عن البحث والتدقيق واتخاذ القرار المبني على التحليل"، مضيفا "مع تسارع الاستجابة التقنية، يزداد الاعتماد على الإجابات الجاهزة، بما قد ينعكس على مهارات التفكير النقدي مع الوقت".

وحذر من أن "الخطر لا يتمثل في توقف العقل عن العمل، بل في اعتياده التدريجي على الاستهلاك بدل الإنتاج، ما قد يدفع الأفراد إلى أنماط تفكير أكثر تبسيطا وأقل ميلا إلى التحليل والإبداع، فتتبدل تدريجياً المعايير والمفاهيم التي بنيت عليها فكرة التقدم الإنساني.

وعلى مستوى منصات التواصل، أشار إلى أن "الوصول إلى الشهرة والربح لم يعد يتطلب دائما إنجازا أو معرفة، بل قد يتحقق عبر محتوى سريع وعابر" ، وهذا التحول بحسب تعبيره أسس لما يمكن تسميته بـ"اقتصاد السطحية"، حيث "أصبحت القيمة تقاس بعدد المشاهدات والتفاعل لا بعمق المحتوى أو أثره المعرفي. ونتيجة ذلك، بات التفكير العميق يبدو كعبء ثقيل لا يحقق عائدا سريعا، في حين أصبح المحتوى السريع والسطحي هو الطريق الأسهل نحو الشهرة والقبول الاجتماعي".

اضاف "أما التأثير الأخطر، فيظهر لدى الأطفال والشباب الذين ينشأون على محتوى سريع الإيقاع، ما قد ينعكس على قدرتهم على التركيز والصبر، ومتابعة النقاشات المعمقة كما تفرض المنصات أنماطا موحدة للنجاح والسلوك، فتتراجع مساحة التميز الفردي أمام الميل إلى تقليد النماذج الأكثر انتشارا".

من "أنا أفكر" إلى "أنا أُشاهد"

وأشار إلى أن "مقولة ديكارت "أنا أفكر إذن أنا موجود" تبدو اليوم مهددة باستبدال رمزي جديد "أنا أُشاهد وأُقلد، إذن أنا موجود"، محذراً من أن "استمرار هذا المسار من دون وعي نقدي، قد يعيد تعريف علاقتنا بالتفكير والإبداع والمعرفة نفسها.

وسأل عما "إذا كان العقل البشري مهددا بالتراجع في قدرته على التفكير والتحليل والإبداع"؟ او عما "إذا كانت وسائل التواصل الاجتماعي والذكاء الاصطناعي ، تسهم في إعادة تشكيله بصورة تضعف وظائفه النقدية، وتدفع نحو إعادة تعريف المفاهيم الأساسية، التي شكلت وعي الإنسان عبر التاريخ؟

الأكثر قراءة

هدوء ما بعد «عاصفة» المذكرة... الرهان على الوقت! بري يتحرّك عربياً لتطويق التفاهم... «اسرائيل»: لا انسحاب