اشترك مجانا بقناة الديار على يوتيوب

شهدت فنزويلا مؤخرًا زلزالين متتاليين شكّلا اختباراً مباشراً وقاسياً لما وصِف بالمرحلة الجديدة من السياسة الأمريكية في نصف الكرة الغربي، في وقت تسارع فيه إدارة الرئيس دونالد ترامب إلى تنفيذ استجابة إنسانية واسعة النطاق في بلد تعتبره الآن حليفاً في أمريكا اللاتينية، بعد عملية لقوات خاصة أميركية في يناير أطاحت بالرئيس نيكولاس مادورو.

ووفقًا لـ"الغارديان"، تتحرك الإدارة الأميركية عبر ما وصفه وزير الخارجية ماركو روبيو بأنه استجابة "كبيرة وسريعة وفعالة" و"شاملة لكل أجهزة الدولة"؛ إذ أرسلت وزارة الخارجية 3 فرق متخصصة في البحث والإنقاذ الحضري، إضافة إلى نشر فريق الاستجابة للكوارث "DART" الذي يضم أكثر من 250 شخصاً، مع تعهد بحزمة مساعدات تبلغ 150 مليون دولار، وهي وفق أحد خبراء الإغاثة السابقين أكبر التزامات معلنة خلال 24 ساعة من وقوع كارثة بهذا الحجم.

ويأتي هذا التحرك في سياق سياسي وإداري حساس؛ إذ إن إدارة ترامب كانت قد قلّصت بشكل كبير دور وكالة التنمية الدولية الأمريكية "USAID"، ونقلت مسؤولية الاستجابة للكوارث إلى وزارة الخارجية، مع تسريح آلاف العاملين في مجال الإغاثة؛ ما أعاد تشكيل البنية المؤسسية للمساعدات الأميركية في الخارج.

كما أن الإدارة قامت بتغيير جذري في التعامل مع الملف الفنزويلي؛ إذ تشير الرواية الأمريكية إلى أن قوات خاصة نفذت في يناير عملية أدّت إلى اعتقال مادورو ونقله إلى الولايات المتحدة لمواجهة اتهامات تتعلق بالإرهاب المرتبط بالمخدرات، فيما باتت القيادة الجديدة في كاراكاس، بقيادة ديلسي رودريغيز، أكثر تقارباً مع واشنطن.

وقال الرئيس ترامب إن الزلزال أدى إلى مقتل عدد كبير من الأشخاص وتدمير مبانٍ في كاراكاس، مضيفاً أن الولايات المتحدة تنفذ عمليات إغاثة على الأرض، مشيراً إلى أن العلاقة مع فنزويلا أصبحت "جيدة جداً" منذ تغيير السلطة، وأن الولايات المتحدة "استعادت كميات كبيرة من النفط"، وأن "البلد بات أكثر استقراراً".

وأضاف ترامب أن ما حدث من زلزال واسع الدمار، رغم خطورته، لا يلغي ما وصفه بعودة الحياة الطبيعية نسبياً، قائلاً إن "الناس باتوا يرقصون في الشوارع" خارج نطاق آثار الكارثة، على حد تعبيره.

وبحسب تقديرات متداولة، أسفرت الزلازل عن مقتل ما لا يقل عن 920 شخصاً، وهو ما يجعلها واحدة من أكبر الكوارث الطبيعية التي تواجهها الإدارة الأمريكية في المنطقة حتى الآن.

من جانبها قالت سوزان رايخل، وهي مسؤولة سابقة في وكالة التنمية الدولية الأمريكية، إن هذا الحدث يمثل "أول اختبار حقيقي" لقدرة الإدارة على التعامل مع كارثة بهذا الحجم، خصوصاً أنها تقع داخل نصف الكرة الغربي وتشكل أولوية في السياسة الخارجية الأمريكية تحت إدارة ترامب، مشيرة إلى أن أول 72 ساعة بعد الزلزال تعتبر حاسمة في عمليات الإنقاذ.

وأضافت أن الإدارة الأميركية سارعت إلى إعلان حالة الكارثة وتفعيل فريق الاستجابة للكوارث وعمليات البحث والإنقاذ، وهو ما يعكس - بحسب قولها - استجابة سريعة تتماشى مع معايير التدخل الأميركي في كوارث مشابهة سابقة مثل زلازل تركيا عام 2023، وهايتي عام 2021، مع الإشارة إلى أن حجم الالتزام المالي المعلن لفنزويلا خلال أول 24 ساعة يُعد من الأكبر في تاريخ هذه الاستجابات.

في المقابل، قالت ديلسي رودريغيز، الرئيسة الفعلية لفنزويلا، إن "عشرات الأشخاص تم إنقاذهم أحياء من تحت الأنقاض"، ووصفت ذلك بأنه مصدر "فرح" للأسر التي تمكنت من استعادة ذويها.

ويرى خبراء في السياسات الدولية أن نهج الولايات المتحدة في المساعدات الخارجية تغيّر في عهد ترامب؛ إذ لم يعد يُنظر إليها كعمل إنساني بحت، بل كأداة قائمة على مبدأ المنفعة المتبادلة وتقليل الاعتماد على المساعدات التقليدية، مع تقليص كبير للبنية التشغيلية للوكالة الأمريكية للتنمية الدولية في الخارج، بما في ذلك خفض عدد الموظفين في بعض المكاتب من 144 إلى 14 فقط، بحسب مسؤولين سابقين.

كما أشار خبراء صحة عامة إلى أن تقليص الانخراط الأمريكي في المؤسسات الدولية، مثل منظمة الصحة العالمية، أدّى سابقاً إلى تأخير في الإبلاغ عن تفشي أمراض في بعض الدول؛ ما أثر على سرعة الاستجابة.

وفي سياق الانتقادات الداخلية، استُعيدت مواقف من ولاية ترامب الأولى، حين وُصفت زيارته لبورتوريكو بعد إعصار ماريا وما رافقها من سلوك علني بأنه "غير إنساني" من قبل مسؤولين محليين، في إشارة إلى الجدل المستمر حول الطابع السياسي والاستعراضي أحياناً لعمليات الإغاثة.

وفي هذا السياق، قال سام فيغيرسكي، وهو مسؤول دولي سابق في مجلس العلاقات الخارجية، إن الإدارة الأميركية تتحرك تحت ضغط سياسي وإعلامي كبير؛ ما يدفعها إلى "تعبئة كل مواردها المتاحة" لإظهار فعالية الاستجابة، مشيراً إلى أن إرسال فرق الاستجابة للكوارث وفرق الإنقاذ الحضري يتماشى مع نماذج الاستجابة الأميركية في كوارث كبرى مثل زلازل تركيا وهايتي.

وأضاف في أن الالتزام الأميركي بتقديم 150 مليون دولار خلال أول 24 ساعة يُعد الأعلى من نوعه في الاستجابات السريعة، معتبراً أن البعد السياسي حاضر بقوة في إدارة الأزمة، خصوصاً في ظل العلاقة الجديدة بين واشنطن وكاراكاس، ورغبة الإدارة الأميركية في تثبيت الاستقرار في الحكومة الانتقالية داخل فنزويلا.

الكلمات الدالة