اشترك مجانا بقناة الديار على يوتيوب

تتأرجح المنطقة، وضمنا لبنان، بين موجات التصعيد العسكري، ومحاولات تثبيت الهدن وإحياء مسارات التفاوض، بحيث إن تبادل واشنطن وطهران الضربات العسكرية خلال اليومين الماضيين، يهدد فعلياً التفاهم الذي تم التوصل إليه بينهما، لا سيما بعد تجميد مسار التفاوض، الذي كان من المقرر أن يستأنف هذا الأسبوع في سويسرا.

وقد انعكس ذلك تلقائياً على الواقع اللبناني، إذ إن كل المحاولات الرامية إلى فصل لبنان عن التطورات الإقليمية تبدو محدودة الجدوى، في ظل الترابط العضوي بين ساحات المنطقة، وتشابك المسارات السياسية والأمنية، ما يجعل تأثره بما يجري أمراً يصعب تجاوزه.

ويترقب لبنان في الأيام القليلة المقبلة، كيفية انعكاس «اتفاق الإطار» الذي تم توقيعه في واشنطن بين الطرفين اللبناني و»الإسرائيلي» على الواقع الميداني، لا سيما في الجنوب، في ظل اتساع الهوة بين السلطة اللبنانية وحزب الله، كما في ظل تنامي الانقسامات الداخلية، وهو ما دفع رئيس المجلس النيابي نبيه بري الى التحذير من الفتنة. 

وقد واصل حزب الله يوم أمس الأحد حملته التصعيدية ضد اتفاق واشنطن، معتبراً أن ما جرى يشكل «خيانة كبرى»، ومؤكداً أن التفاهم الذي تم التوصل إليه «لن يكون قابلاً للتطبيق».

علما أن عدة معلومات تقاطعت في الساعات الماضية، عن توجه لبدء العمل بالمناطق التجريبية التي لحظها الاتفاق هذا الأسبوع.

التصعيد مؤجل 

وكشفت مصادر واسعة الاطلاع لـ«الديار»، أن هناك توجهاً لدى حزب الله لتأجيل أي تصعيد، سواء عبر تحركات شعبية أو من خلال خطوات ميدانية أخرى في المرحلة الراهنة، بانتظار ما ستسفر عنه المساعي الإيرانية، الرامية إلى تثبيت وقف إطلاق النار في لبنان، وفرض انسحاب إسرائيلي كامل من أراضيه.

وبحسب المصادر، يصرّ الحزب على اعتبار أن ما جرى في واشنطن «غير قائم بالنسبة إليه» وغير معني به، وأن المرجعية الوحيدة التي يلتزم بها تتمثل في التفاهمات الإيرانية - الأميركية المرتقبة، انطلاقاً من قناعته بأن هذه التفاهمات وحدها قادرة على تأمين ما يراه مصلحة للبنان، وهو ما تقول أوساطه إن الوقائع أظهرته، من خلال الثغرات التي شابت «اتفاق الإطار» مع «إسرائيل».

وتضيف المعلومات أن طهران كثّفت اتصالاتها خلال الساعات الماضية، سواء عبر وسطاء إقليميين ودوليين، أو بشكل مباشر مع الولايات المتحدة، للضغط في ما يتعلق بالملف اللبناني. كما أبلغت المسؤولين اللبنانيين، وفي مقدمهم رئيس مجلس النواب نبيه بري، أنها لن تبرم أي اتفاق نهائي مع واشنطن، ما لم يتضمن نصاً واضحاً يلحظ انسحاباً إسرائيلياً كاملاً من الأراضي اللبنانية، خلافاً لما ورد في «اتفاق الإطار» الذي أبقى مسألة الانسحاب ملتبسة، وربطها بملف نزع سلاح حزب الله.

مسار واشنطن- طهران

وتبقى الخشية قائمة من أن يؤدي تبادل الضربات العسكرية بين الولايات المتحدة وإيران خلال اليومين الماضيين، إلى انهيار التفاهم القائم بينهما، بما يهدد بنسف المسار التفاوضي برمّته، وإعادة المنطقة إلى مربع المواجهة المفتوحة. بحيث نقلت صحيفة «وول ستريت جورنال» عن مصادر أنه تم وقف محادثات كانت مقرّرة هذا الأسبوع بين واشنطن وطهران في سويسرا، بسبب تجدُّد القتال. 

فالجيش الأميركي قصف امس الأحد أهدافا داخل ايران، بعد ساعات من استهداف ناقلة نفط في مضيق هرمز، وردت طهران مستهدفة مواقع في الكويت والبحرين. وحذر الرئيس الأميركي دونالد ترمب من اضطرار الولايات المتحدة لإكمال المهمة عسكرياً، مشيراً إلى أن إيران «ستزول من الوجود»، في حال قررت الولايات المتحدة التصعيد.

من جهتها، أعلنت القيادة المركزية الأميركية في بيان، أن الضربات على ايران جاءت «في رد مباشر على العدوان الإيراني المتواصل على الملاحة التجارية».

بالمقابل، حذّر وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي من أن أي تجاوزات لترتيبات مذكرة التفاهم بشأن مضيق هرمز «ستزيد التوتر» إقليمياً. 

واستبعدت مصادر واسعة الاطلاع أن تؤدي الضربات المتبادلة بين الولايات المتحدة وإيران خلال اليومين الماضيين، إلى انهيار الاتفاق بينهما، معتبرة أن ما يجري حالياً يندرج في إطار «محاولات متبادلة لتحسين شروط التفاوض، وتعزيز أوراق القوة قبل العودة مجدداً إلى طاولة المباحثات».

ولفتت المصادر إلى أن «المرحلة المقبلة ستتركز على البحث في الملفات الخلافية الكبرى والحساسة، والتي لا تزال تشكل العقبة الأساسية أمام تثبيت تفاهم نهائي ومستدام بين الطرفين». وأضافت المصادر لـ«الديار» أن «الطرفين يمتلكان مصلحة مشتركة في الحفاظ على هذا التفاهم، ولذلك لن يغامرا باتخاذ خطوات أو ردود فعل، من شأنها الإطاحة به بشكل نهائي». وأشارت إلى أنه «وإن كان من الممكن أن تشهد المرحلة المقبلة جولات إضافية من التصعيد العسكري، أو تبادل الرسائل الميدانية، فإن العودة إلى طاولة التفاوض تبقى أمراً حتمياً». 

ويبقى الملف اللبناني أحد الملفات الأساسية العالقة على طاولة التفاوض، إذ لا يبدو حتى الآن أن هناك معالم تفاهم واضحة بشأنه بين الأميركيين والإيرانيين. وبحسب المصادر، سارعت طهران في الساعات التي أعقبت توقيع اتفاق الإطار بين لبنان و»إسرائيل» في واشنطن، إلى تفعيل حركتها السياسية والديبلوماسية، في محاولة لاستعادة الورقة اللبنانية، وإعادة إدراجها ضمن سلة التفاوض مع الولايات المتحدة، انطلاقاً من قناعتها بأنها قادرة على انتزاع مكاسب للبنان، تتجاوز تلك التي حققها لنفسه عبر «اتفاق الإطار»، لا سيما في ما يتعلق بضمان انسحاب إسرائيلي كامل من الأراضي اللبنانية، وعدم ربط هذا الملف حصراً بمسألة نزع سلاح حزب الله. 

مواقف وحركة بري 

ولهذا الغرض، تواصل رئيس مجلس الشورى في الجمهورية الإسلامية الإيرانية محمد باقر قاليباف مع رئيس مجلس النواب نبيه بري، وأكد لبري «حرص ايران على مواصلة مساعيها، وتكثيف جهودها مع الجهات الإقليمية والدولية الضامنة لمذكرة التفاهم، لإلزام «إسرائيل» بإنهاء حربها على لبنان تنفيذا لما هو وارد في الاتفاق»، مشيرا إلى أن «اللجنة الفنية المكلفة متابعة تنفيذ مذكرة التفاهم التي تشارك فيها ايران والولايات المتحدة الاميركية ولبنان، يجب ان تباشر عملها لبحث ومتابعة التفاهمات المتصلة بالوضع الميداني وخاصة في لبنان».

وشكر بري لقاليباف وللجمهورية الإسلامية الإيرانية، كما سائر الدول الشقيقة والصديقة «وقوفهم وسعيهم الحثيث لإنهاء الحرب العدوانية الإسرائيلية على لبنان وتحرير ارضه وعودة النازحين إلى قراهم وبلداتهم ومدنهم».

وفي مواقف لاحقة، اعتبر بري أن الاتفاق الذي وقّع في واشنطن «هو ضد نفسه، ولا يمكن أن يُطبق» معتبرا أن «الغالبية من اللبنانيين وغير اللبنانيين هم ضد هذا الاتفاق، فلا مقومات نجاحه قائمة، ولا تطبيقه ممكن».

وشدد بري على أن «لبنان لا يزال يلتزم مقررات الجامعة العربية، ولا يمكنه أن يذهب إلى أي اتفاق من هذا النوع قبل الدول العربية الأخرى، كما أن هناك الكثير من الاتفاقيات السابقة التي لا يمكن الخروج منها». 

من جهته، شدد المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي، على «أن أحد الشروط الأساسية لاستمرارية التفاهم هو الحفاظ على السيادة الوطنية للبنان وسلامة أراضيه». وقال بقائي إن «الانسحاب الكامل للقوات الإسرائيلية من لبنان، يجب أن يكون جزءاً من اتفاق نهائي مع الولايات المتحدة». وأضاف:»انسحاب المحتلين من جميع المناطق اللبنانية المحتلة أمر ضروري، للتوصل إلى اتفاق نهائي ودائم لإرساء الاستقرار الإقليمي». 

تصاعد السجالات الداخلية

وتصاعدت السجالات الداخلية على خلفية توقيع «اتفاق الاطار» في واشنطن. فرأى رئيس حزب «القوات اللبنانية» سمير جعجع أن هذا الاتفاق «هو أهم خطوة سياسية قامت بها الدولة اللبنانية منذ نصف قرن، لإخراج لبنان واللبنانيين من المأزق المأسوي وتداعياته، بسبب المقاومات المتعاقبة على أرض الجنوب». 

وأضاف: «يصرخون: إنها الفتنة، فليتهم تذكروا أن الفتنة كانت عندما طُبِّق اتفاق الطائف في المجال الأمني والعسكري على أناس ولم يُطبَّق على آخرين، بحجج واهية لم تنطلِ على أحد، والذين استفاقوا اليوم أيضا على اتفاق الهدنة، فيا ليتهم حرّكوا ساكناً عندما بدأ العبث باتفاقية الهدنة منذ العام 1964، بدلا من البكاء الآن على أطلالها». 

ورد عضو كتلة «التنمية والتحرير» النائب علي حسن خليل على جعجع، معتبرا أنه «من المؤسف أن يقابل التحذير من الفتنة بالمزيد من خطاب الانقسام». وقال:»رئيس مجلس النواب نبيه بري لم يحذر من وهم، بل من خطر يعرف اللبنانيون جميعاً كلفته». وشدد خليل على أن «حماية السلم الأهلي ليست مادة للمزايدة، ومن يستخف بالفتنة، لا يدرك أن نارها إذا اشتعلت لن تستثني أحداً». 

من جهته، رأى عضو كتلة الوفاء للمقاومة النائب حسن فضل الله أنَّ «ما أقدمت عليه السُلطة هو الفتنة، من أجل دفع البلد إلى الفوضى ونقل الصراع من كونه مع العدو إلى صراع داخلي، وهذه أبشع وظيفة لسلطة حاكمة»، مشددا على أن «أي إتفاق أميركي - إيراني تسعى إليه الولايات المتحدة الأميركية، معبره البند الأول الذي هو لبنان، وإيران ملتزمة مع لبنان، ولن توقع أي اتفاق لا يضمن انسحاباً إسرائيلياً من لبنان، وصار لدينا معادلة اقليمية تمتد من مضيق هرمز إلى باب المندب، وصولًا إلى علي الطاهر إلى قرانا الأمامية، وكلّها تصب في مصلحة بلدنا، فيما هذه السلطة الخائبة والخاسرة، هي التي ستخرج من كل هذا المسار الذي يتكوّن في المنطقة». 

أما النائب ابراهيم الموسوي فاعتبر أن «ما سمي اتفاق الإطار ساقط قانونا ودستوريا، ولا شرعية له، ومن وقع عليه ارتكب خيانة عظمى موصوفة بحق لبنان وشعبه تاريخاً وجغرافيا وسيادة». وقال «اتفاق جوزاف عون ونتانياهو لا يعني لبنان ولا يعنينا أبدا، ولا يعني كل مواطن لبناني حر شريف مستقل».

التطورات الميدانية

ميدانياً، واصلت «إسرائيل» انتهاكاتها لاتفاق وقف إطلاق النار والهدنة القائمة، بينما أعلن «الجيش الإسرائيلي» عن مقتل ضابط وإصابة عسكري آخر في اشتباكات مع حزب الله في الجنوب.

واستهدفت غارتان امس الاحد من مسيرتين معاديتين، بلدة النبطية الفوقا كما محيط بلدة ديرسريان - الطيبة.

كما قام العدو بتفجيرات وحرق منازل في بلدة الخيام، وسط تحرك آلياته داخل البلدة، كما أطلق قذائف انشطارية استهدفت خراج بلدتي شبعا وشويا في قضاء حاصبيا.

وألقت محلقة معادية قنبلتين صوتيتين بالقرب من احد المنازل في الحي الشرقي لبلدة برعشيت في قضاء بنت جبيل.