اشترك مجانا بقناة الديار على يوتيوب

تشهد عدة دول أفريقية موجة متزايدة من الطعون القانونية ضد اتفاقيات أبرمتها حكوماتها مع إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، في ظل اتهامات لهذه الصفقات بأنها غامضة، وتفتقر للشفافية، وتُبرم دون اعتبار كافٍ للدساتير الوطنية أو الرأي العام.

وبينما تسعى الحكومات الأفريقية إلى الحفاظ على تدفق المساعدات الأميركية عبر اتفاقيات ثنائية مثيرة للجدل، يتحرك محامون ونشطاء في المقابل لدفع هذه القضايا نحو المحاكم الوطنية والإقليمية، في محاولة لإعادة ضبط حدود السلطة التنفيذية أمام القانون، بحسب "جون أفريك".

تتراوح القضايا المطروحة أمام القضاء بين إنشاء مراكز طبية أمريكية في كينيا لعلاج مرضى الإيبولا، ومذكرات تفاهم صحية ثنائية، وصولًا إلى اتفاقيات تتعلق بترحيل مهاجرين من الولايات المتحدة إلى دول أفريقية ثالثة.

وفي كينيا، نجحت منظمات حقوقية ونقابة المحامين في الطعن أمام المحكمة العليا في مشروع أميركي لإنشاء مركز حجر صحي قرب قاعدة عسكرية في منطقة لايكيبيا شمال العاصمة نيروبي، بتمويل أميركي يقدر بنحو 13.5 مليون دولار.

وأصدرت محكمة كينية أمرًا بوقف أعمال البناء مؤقتًا، في خطوة اعتبرها ناشطون تأكيدًا على دور القضاء في ضبط الاتفاقيات التنفيذية، رغم استمرار الجدل حول مدى التزام الأطراف الأجنبية بقرارات المحاكم المحلية.

جدل حول السيادة وسيادة القانون

يرى ناشطون حقوقيون أن بعض الحكومات الأفريقية تتصرف وكأنها تتجاوز الأطر الدستورية الداخلية في سعيها للحصول على الدعم الخارجي، وهو ما يثير مخاوف من تقويض سيادة القانون.

وتشير أصوات قانونية في القارة إلى أن بعض القادة باتوا أكثر جرأة في توقيع اتفاقيات مثيرة للجدل، في ظل إدارة أميركية تعتمد بشكل متزايد على "الصفقات السياسية" في تعاملها الخارجي، بحسب توصيف بعض المحامين.

وتذهب هذه الانتقادات إلى أن هذا النمط من الاتفاقيات يعكس اختلالًا في موازين القوة التفاوضية، حيث يتم تمرير ترتيبات استراتيجية وأمنية أو صحية مقابل حوافز مالية أو دعم تنموي.

لم تعد هذه الطعون محصورة في دولة واحدة، إذ تم تسجيل دعاوى قضائية في عدة دول أفريقية، تشمل اتفاقيات الترحيل والتعاون الأمني ومذكرات التفاهم الصحية، وسط تنامي دور المنظمات الحقوقية ونقابات المحامين.

وفي زامبيا، رفعت منظمات حقوقية دعوى أمام المحكمة الدستورية للطعن في اتفاقيات مع واشنطن، في حين تشهد أوغندا وغانا تحركات قانونية مماثلة تتعلق باتفاقيات ترحيل مهاجرين.

ويؤكد محامون أن القضية لم تعد قانونية فحسب، بل سياسية أيضًا، لأنها تمس طبيعة العلاقة بين السيادة الوطنية والالتزامات الخارجية.

انقسام حول استقلال القضاء

رغم هذه التحركات، يختلف التقييم بشأن قدرة القضاء الأفريقي على فرض قراراته، خاصة في ظل تفاوت مستويات الاستقلال القضائي بين الدول.

ففي دول مثل كينيا، يُنظر إلى القضاء على أنه أكثر فاعلية في فرض الرقابة على السلطة التنفيذية، بينما تواجه دول أخرى تحديات تتعلق بتأثيرات سياسية محتملة على المنظومة القضائية، خصوصًا مع اقتراب الانتخابات أو إعادة تشكيل المؤسسات القضائية.

وفي بعض الحالات، تشير تقارير حقوقية إلى أن بعض الاتفاقيات تمضي قدمًا رغم وجود طعون قضائية، ما يثير تساؤلات حول مدى إلزامية الأحكام القضائية في الواقع العملي.

تتجاوز هذه النزاعات حدود المحاكم الوطنية لتصل إلى مؤسسات إقليمية مثل اللجنة الأفريقية لحقوق الإنسان والشعوب، إضافة إلى محكمة العدل التابعة لتجمعات إقليمية مثل الإيكواس، التي تنظر في قضايا تتعلق بانتهاكات حقوق الإنسان والتزامات الدول الأعضاء.

ويرى خبراء أن هذا التوجه يعكس محاولة لبناء مرجعية قضائية أفريقية مستقلة، يمكن أن تشكل سابقة قانونية في التعامل مع الاتفاقيات الدولية المثيرة للجدل.

فرصة لبناء سوابق قانونية أفريقية

يرى عدد من القانونيين أن هذه القضايا قد تمثل لحظة مفصلية لتطوير الفقه الدستوري الأفريقي، عبر ترسيخ مبادئ تتعلق بالشفافية، والمساءلة، وحدود السلطة التنفيذية في إبرام الاتفاقيات الدولية.

كما يشيرون إلى أن نجاح المحاكم الأفريقية في فرض أحكامها قد يعزز من مكانة القضاء المحلي كمصدر مرجعي، بدل الاعتماد التقليدي على سوابق قضائية من خارج القارة.

في المقابل، يحذر قانونيون من أن القوة الحقيقية لهذه الأحكام ستُقاس بمدى تنفيذها على أرض الواقع، وليس بمجرد صدورها.

فإذا ما تجاهلت الحكومات قرارات المحاكم، فإن ذلك قد يقوض ثقة المواطنين في المؤسسات القضائية، ويضعف فكرة سيادة القانون التي تسعى هذه الدعاوى إلى تعزيزها.

وبينما تتوسع رقعة الطعون القضائية، يبدو أن أفريقيا تدخل مرحلة جديدة تتقاطع فيها السياسة الخارجية مع القضاء الداخلي، في اختبار مباشر لقدرة الأنظمة القضائية على ضبط توازن القوة بين الدولة وشركائها الدوليين.

الأكثر قراءة

هدوء ما بعد «عاصفة» المذكرة... الرهان على الوقت! بري يتحرّك عربياً لتطويق التفاهم... «اسرائيل»: لا انسحاب