في العام 2005 وبعد أسبوع على اغتيال الرئيس رفيق الحريري التقى جون كينيثي الملحق الثقافي في السفارة الأميركية بأعضاء "منتدى الحوار الثقافي" في البترون على طاولة غذاء استضافة له بعد أن قدّم للمنتدى 200 كتاب لمفكّرين أميركيين. وجرى حوار بينه وبينهم ووجّه سؤالا لأستاذ في مادة الفلسفة في إحدى الجامعات اللبنانية: "هل تغادر سوريا لبنان"؟ وكان جواب الأستاذ: "تسألني وأنتم أدخلتموها لبنان". وكان جواب الملحق الثقافي: "نعم وستغادر لبنان". فعلّق أستاذ الفلسفة: "وماذا سيحصل بعد ذلك"؟ وكان الجواب: "ما سيحصل هو حرب بين السنة والشيعة من هنا إلى باكستان".
وكان في ذلك إشارة واضحة إلى ما كان يسميه الأميركيون "إقامة الشرق الأوسط الجديد" عبر تفكيكه بالصراعات الداخلية وإثارة الحروب.
وبعد جواب كينيثي هذا الذي تبيّن فيما بعد أنه مسؤول كبير في المخابرات الأميركية كانت مداخلة لأستاذ الفلسفة: "حربكم في بغداد هي كمن يقتل والده". فاستوضحه كينيثي: "كيف". فأجاب: "لولا حضارة بلاد ما بين النهرين ولولا الخوارزميات وتطوّرها ما كنتم استطعتم أن تأتوا بطائراتكم. هذا أولا. وثانيا الحرب السنية – الشيعية لن تقع لأن دار الإسلام واحدة".
اليوم يقول أستاذ الفلسفة الذي هو أحد مؤسسي "اللقاء التشاوري للنخب في المحافظات": "بعد عشرين سنة توصّل الأميركيون إلى أن الحرب الأميركية – الاسرائيلية الايرانية أثبتت صحة "دار الإسلام".
قدرة تكيّف السياسة الأميركية مع المتغيّرات جعلها تُسقط مشروع "الشرق الأوسط الجديد" المرتكز إلى تفتيت المنطقة وإثارة الحروب الدينية فيها وخصوصا بعد نشوء المحور الإسلامي الذي تشكّل من تركيا ومصر وباكستان ومن ثم المملكة العربية السعودية والذي استكمل دورة الدومينو باتجاه الدول الإسلامية مجتمعة. وهو محور نشأ إثر استدراج رئيس الحكومة الاسرائيلية بنيامين نتنياهو الولايات المتحدة الاميركية إلى الحرب مع ايران لصالح حسابات اسرائيلية في تحويل الدولة العبرية إلى "قوة عالمية عظمى" تهيمن على المنطقة ودولها وتستتبعه سياسيا وتتوسّع في جغرافيّتها. وكل ذلك أثار مخاوف تركيا ومصر من أنها الدول المستهدفة عسكريا بعد ايران. وكل ذلك أنتج تعاطفا مع ايران على قاعدة "دار الإسلام" وحل التباينات بالحوار واستقراء علاقات جديدة قائمة على احترام سيادة الدول بين ايران وجيرانها والوصول إلى قواسم مشتركة في تكريس الإستقرار في المنطقة وإقامة السلام وخصوصا بعد التعديل الجوهري الذي أجراه ترامب على سياساته الأوسطية باعتماد سياسة أميركية – أميركية لا سياسة أميركية – اسرائيلية والتطلّع إلى تحقيق استقرار دائم في المنطقة وصناعة سلام فيها عجز عن تحقيقه كل الرؤساء الأميركيين بمن فيهم كلينتون وأوباما وجورج بوش الأب والإبن ومعهم المبادرات الدولية ومجلس الأمن.
والمفارقة أن الرئيس دونالد ترامب يسعى إلى تحقيق السلام في المنطقة مع ايران ودول المحور الإسلامي مع حفظ "مكان اسرائيل" من ضمن الرؤية الأميركية لا من رؤية اليمين الديني اليهودي. وهو في سعيه إلى إعادة تشكيل الشرق الأوسط على قاعدة دوله المركزية يسعى إلى بقاء الولايات المتحدة الأميركية الفاعل الرئيسي دوليا عبر توسيع بوابة انفتاحه على ايران بهدف رسم حدود لعلاقة انفتاحها على موسكو وبكين وإبقاء الأمور في دائرة العلاقات الودية لا علاقات الحلف.
أما الإستنتاج فإن نافذة مبادرة العاهل السعودي الملك عبد الله للسلام في الشرق الأوسط تفتح بشكل واسع بفعل موازين القوى الجديدة. وهذا في صالح الفلسطينيين تحديدا ما يعطي دورا مميزا للمملكة العربية السعودية في "النظام الاقليمي العربي" وفي الهامش اللبناني والسوري والعراقي والفلسطيني وفي الرهان على المنحى العروبي في إشارة لصعود فكرة القوميات وفي التحوّل إلى "مرجعيّة" الدول الخليجية. وهذا طموح ولي العهد السعودي سمو الأمير محمد بن سلمان.
الأكثر قراءة
عاجل 24/7
-
23:57
فانس: الرئيس ترامب طلب منا استخدام مذكرة التفاهم لإعادة تزويد الاقتصاد العالمي بالنفط ثم نرى كيف ستتطور الأمور
-
23:56
فانس: أمامنا خياران إما السعي إلى اتفاق طويل الأمد مع إيران شرط تغيير سلوكها أو تثبيت المكاسب التي حققناها
-
23:42
فانس: لا يزال هناك قدر من عدم اليقين ولا أحد يستطيع التأكد مما سيفعله الإيرانيون
-
23:31
وفاة نجم فيلم Indiana Jones مايكل بيرن عن عمر 82 عامًا
-
23:24
فانس بشأن إيران: ترامب مستعد لإلقاء القنابل من جديد
-
23:23
فانس: ترامب يريد أن يستمر المسار التفاوضي مع إيران مع التزامات يمكن التحقق منها ويجب أن نتحقق من إزالة البرنامج النووي الإيراني بعمليات تفتيش مستمرة
