اشترك مجانا بقناة الديار على يوتيوب

لم يعد مستقبل "اليونيفيل" يقتصر على نقاش حول انتهاء ولاية بعثة أممية أو الجهة التي ستخلفها، بل تحوّل إلى مدخل لإعادة هندسة شاملة للمنظومة الأمنية في جنوب لبنان، تقوم على شراكة بين أوروبا والولايات المتحدة والجيش اللبناني، مع بقاء الأمم المتحدة مظلة سياسية وشرعية.

وتتبلور ملامح الترتيبات الدولية الجديدة التي قد تتجاوز النموذج التقليدي لحفظ السلام، في ظلّ حراك واضح تقوده باريس وروما لإعداد مرحلة ما بعد "اليونيفيل"، من خلال بلورة تحالف دولي جديد يمنع الفراغ الأمني، بعد انتهاء ولايتها أواخر العام الحالي. ورغم أنّ المشروع لا يزال في طور المشاورات، فإنّ المؤشرات المتوافرة توحي بأنّ الجنوب اللبناني يقف أمام تحوّل، قد يعيد تعريف آليات إدارة الأمن والاستقرار فيه خلال السنوات المقبلة.

وبحسب مصادر سياسية وديبلوماسية مطلعة، فإنّ فرنسا وإيطاليا تتقدّمان منذ أسابيع واجهة المشاورات الدولية، الهادفة إلى بلورة ترتيبات جديدة لمرحلة ما بعد "اليونيفيل"، وسط دعم أميركي واضح، ونقاشات متواصلة مع لبنان والأمم المتحدة وعدد من الشركاء الأوروبيين والإقليميين، لمنع أي فراغ أمني على الحدود الجنوبية. وجاءت التصريحات الأخيرة الصادرة عن الخارجية الفرنسية لتمنح هذا المسار زخماً إضافياً، بعدما تحدثت عن استعداد باريس وروما، لنشر قوة تحالف دولي في جنوب لبنان بعد انتهاء مهمة "اليونيفيل"، بناءً على طلب لبنان ودعماً لجيشه، وهو ما فتح الباب أمام تساؤلات واسعة حول طبيعة القوة المقترحة، والإطار القانوني الذي ستعمل بموجبه.

وتؤكد المصادر أنّ باريس وروما بدأتا منذ حزيران الماضي مشاورات سياسية وعسكرية، تهدف إلى إعداد تصوّرات تنفيذية أولية. وبحسب المعلومات، يقوم التصوّر الفرنسي – الإيطالي على تشكيل إئتلاف أو قوة متعدّدة الجنسيات بقيادة مشتركة، مع مشاركة دول أوروبية، واحتمال انضمام دول عربية أو إقليمية، على أن تعمل بالتنسيق الكامل مع الدولة اللبنانية والجيش اللبناني، وضمن غطاء دولي يجري البحث في صيغته القانونية.

والمشاورات الجارية لا تتناول إنشاء نسخة جديدة من "اليونيفيل"، أي "يونيفيل 2"، على ما توضح المصادر، بل إعادة تعريف وظيفة الوجود الدولي في الجنوب. فبدلاً من نموذج "اليونيفيل" التقليدية، يجري البحث في قوة أكثر مرونة تركّز على دعم الجيش اللبناني، وبناء قدراته، وتوفير إمكانات استخباراتية وتقنية ولوجستية متقدّمة، تشمل المراقبة الجوية والاستطلاع، والتدريب، ومراقبة الحدود.

وفي موازاة هذا التصوّر الأوروبي، تكشف المصادر نفسها أنّ الولايات المتحدة تعمل على مسار موازٍ يتكامل مع المبادرة الفرنسية – الإيطالية، من خلال دور قيادي للقيادة المركزية الأميركية (CENTCOM)، ولكن من دون نشر قوات قتالية أميركية على الأرض.

وتشير المصادر إلى أنّ مسودة منظومة الأمن الجديدة، التي لا تزال قيد التداول، تقوم ليس على "قوة واحدة"، إنّما على توزيع واضح للأدوار:

⁃ الجيش اللبناني يكون القوة التنفيذية الأساسية، وصاحب المسؤولية المباشرة عن إمساك الأمن جنوباً؛

⁃ الإتحاد الأوروبي: التدريب وبناء القدرات.

⁃ فرنسا وإيطاليا: قيادة الترتيبات الأوروبية ومرحلة ما بعد "اليونيفيل".

⁃ القوّة الدولية الجديدة تؤمّن التدريب، والدعم اللوجستي، والمراقبة التقنية، والمواكبة العملياتية.

⁃ الولايات المتحدة: تضطلع "السنتكوم" بمهام التنسيق والتحقّق والضمان والإشراف عبر آليات مشتركة.

⁃ الأمم المتحدة: توفير الشرعية أو إطار التعاون إذا تمّ التوافق على ذلك داخل مجلس الأمن.

وتلفت المصادر الى أنّ لبنان لم يتقدّم بطلب رسمي لاستبدال "اليونيفيل"، بل يّركّز في اتصالاته على أولوية منع الفراغ الأمني، والإبقاء على حضور دولي داعم، شرط أن يتمّ أي ترتيب جديد بموافقة الدولة، وأن يكون هدفه تعزيز قدرات الجيش اللبناني، لا الحلول مكانه أو المساس بالسيادة الوطنية.