اشترك مجانا بقناة الديار على يوتيوب

قبل ساعات قليلة من إعلان وفاته، كان السيناتور الجمهوري الأميركي ليندسي غراهام يقف في قلب العاصمة الأوكرانية كييف، معلنًا تفاؤله بإمكانية إحداث تحول في مسار الحرب الروسية الأوكرانية. 

وبعد أشهر من الجهود السياسية والدبلوماسية، بدا أن مشروع قانون العقوبات الذي قاده ضد موسكو بات أخيرًا يحظى بدعم إدارة الرئيس دونالد ترامب، وهو ما اعتبره غراهام تتويجًا لواحدة من أهم معاركه السياسية.

وكان غراهام قد اختتم جولة دبلوماسية مكثفة شملت تركيا وأوكرانيا، ساعيًا إلى حشد الدعم الدولي لتشديد الضغوط الاقتصادية على روسيا، قبل أن يعود إلى واشنطن حيث توفي بعد ساعات من وصوله، بحسب "وول ستريت جورنال".


حملة لزيادة الضغط على موسكو

على مدار أكثر من عام، عمل غراهام مع عدد من أعضاء الكونغرس، بينهم السيناتور الديمقراطي ريتشارد بلومنتال، على إعداد مشروع قانون يهدف إلى فرض عقوبات اقتصادية ورسوم جمركية أشد على روسيا والدول التي تواصل شراء النفط الروسي، بهدف تقليص الموارد المالية التي تمول الحرب في أوكرانيا.

وجاءت قمة حلف شمال الأطلسي "الناتو" في أنقرة فرصة مهمة بالنسبة لغراهام لإقناع البيت الأبيض بدعم المشروع، خاصة في ظل تعثر جهود التوصل إلى تسوية سياسية للحرب، والتقلبات التي اتسم بها موقف الرئيس ترامب تجاه كل من أوكرانيا وروسيا.

وشهدت القمة لقاءات مكثفة بين غراهام ومسؤولين أمريكيين وأوروبيين، كان أبرزها اجتماعه مع الأمين العام لحلف الناتو مارك روته، إلى جانب لقاءات مع أعضاء إدارة ترامب، في وقت كان الحلفاء ينتظرون بترقب موقف الرئيس الأميركي من الحرب.

وخلال لقاء جمعه بعدد من المسؤولين الأميركيين في مقر السفير الأميركي لدى تركيا توم باراك، شدد غراهام على أهمية تمرير مشروع العقوبات، معتبرًا أن الحصول على دعم وزير الخزانة سكوت بيسنت يمثل خطوة حاسمة لضمان إقراره.


لقاءات مع زيلينسكي والشرع

على هامش قمة الناتو، شارك غراهام في اجتماعات مع الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي والرئيس السوري أحمد الشرع.

وخلال لقائه بالرئيس السوري، أبدى غراهام مرونة أكبر تجاه إمكانية رفع بعض العقوبات المفروضة على دمشق، معتبرًا أن الحكومة السورية الجديدة تستحق فرصة لإعادة بناء البلاد، في تحول لافت مقارنة بمواقفه السابقة، وهو ما أثار اهتمامًا واسعًا في وسائل الإعلام العربية.

أما الاجتماع مع زيلينسكي، فقد تزامن مع تغير ملحوظ في خطاب الرئيس ترامب تجاه أوكرانيا، بعدما أشاد بقدرات الجيش الأوكراني وأبدى استعدادًا لتعزيز التعاون العسكري، في موقف اعتبره مسؤولون أوكرانيون وحلفاء الناتو مؤشرًا على تغير محتمل في السياسة الأميركية.


"اللعبة الطويلة"

عرف غراهام خلال مسيرته السياسية بقدرته على المناورة داخل الحزب الجمهوري، إذ انتقل من كونه أحد أبرز منتقدي ترامب إلى واحد من أقرب حلفائه، مع احتفاظه بموقف داعم لأوكرانيا حتى في الفترات التي شهدت تراجعًا في الحماس الأمريكي تجاه الحرب.

ويرى مقربون منه أن هذه الاستراتيجية القائمة على العمل خلف الكواليس، والحفاظ على قنوات التواصل مع الرئيس الأميركي، ساعدت في إبقاء الملف الأوكراني حاضرًا على أجندة البيت الأبيض.

وخلال وجوده في أنقرة، احتفل غراهام بعيد ميلاده الحادي والسبعين مع عدد من أعضاء الكونغرس، بينهم السيناتور الديمقراطي كريس كونز، الذي أكد أن غراهام كان في حالة معنوية مرتفعة بعد تلقيه مؤشرات إيجابية بشأن مشروع العقوبات.

بعد انتهاء أعمال القمة، توجه غراهام إلى أوكرانيا في زيارته العاشرة منذ اندلاع الحرب العام 2022، حيث وصل إلى كييف عبر قطار ليلي انطلق من بولندا بسبب استمرار إغلاق المجال الجوي الأوكراني.

واستقبله الرئيس فولوديمير زيلينسكي في القصر الرئاسي، حيث تبادل معه التهاني بعيد ميلاده، قبل أن يهديه قميصًا أوكرانيًا تقليديًا مطرزًا.


تسجيلات تكشف تفاصيل إسعاف السيناتور ليندسي غراهام قبل وفاته

كما زار غراهام منشأة إنتاج تابعة لشركة "سكاي فول" المتخصصة في تصنيع الطائرات المسيّرة، واطلع على خطوط إنتاج عدد من الطائرات الهجومية والاعتراضية المستخدمة في الحرب، مشددًا على أهمية التعاون الأميركي الأوكراني في مجال تكنولوجيا الطائرات المسيّرة.

وقال خلال الزيارة إن تجاهل الخبرة الأوكرانية في هذا المجال سيكون "خطأً فادحًا"، في إشارة إلى التطور الكبير الذي حققته كييف في الصناعات الدفاعية منذ اندلاع الحرب.


اختراق سياسي قبل ساعات من النهاية

وخلال وجوده في كييف، أعلن غراهام التوصل إلى تفاهم مع إدارة ترامب بشأن المضي قدمًا في نسخة معدلة من مشروع قانون العقوبات على روسيا، مؤكدًا أن الاتفاق تم قبل دقائق من حديثه للصحفيين، وأن فرص إقرار التشريع أصبحت كبيرة.

واعتبر عدد من المسؤولين الجمهوريين أن نجاح أوكرانيا في تنفيذ ضربات بعيدة المدى داخل الأراضي الروسية ساهم في تغيير موقف الرئيس الأميركي ودفعه إلى دعم مشروع القانون.

وأشار النائب الجمهوري مايكل ماكول إلى أن العلاقة الشخصية التي جمعت غراهام بترامب لعبت دورًا مهمًا في تقريب وجهات النظر، موضحًا أن السيناتور الراحل كان يتمتع بقدرة كبيرة على إدارة الملفات السياسية المعقدة والوصول إلى أهدافه دون الدخول في صدام مباشر.

عاد غراهام إلى واشنطن السبت، واستمر في إجراء الاتصالات وإرسال الرسائل المتعلقة بمشروع العقوبات حتى الساعات الأخيرة من حياته.

وقال الرئيس دونالد ترامب إنه تحدث معه عقب عودته من كييف، حيث أخبره بأنه يشعر بالإرهاق لكنه بخير، مضيفًا أن الولايات المتحدة فقدت "سياسيًا عظيمًا".

من جانبها، دعت السيناتور الديمقراطية جين شاهين أعضاء الكونغرس إلى المضي قدمًا في إقرار مشروع قانون العقوبات، معتبرة أن ذلك يمثل أفضل تكريم لإرث غراهام السياسي، وتحقيقًا لهدفه الذي عمل عليه لسنوات والمتمثل في دعم أوكرانيا وتعزيز أمنها واستقلالها.


الأكثر قراءة

العائلات اللبنانيّة... رحلة في جذور التاريخ (آل الخازن) 1 الخازنيّون عرب غسّانيّون حكموا كسروان بعد عودة فخر الدين من توسكانا من مُراسلات الأمير الى سفير فرنسا : كأنهم إخوتي من لحمي ودمي ومن أبناء مذهبي