اشترك مجانا بقناة الديار على يوتيوب

في تحقيق مطوّل نشرته صحيفة "هآرتس" الإسرائيلية، كشفت الصحيفة تفاصيل خطة سرية نُسبت إلى رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ورئيس جهاز الموساد دافيد برنياع، هدفت إلى إحداث تغيير في الحكم في إيران، بالاعتماد على جماعات كردية وشخصيات إيرانية معارضة، وفي مقدمتها الرئيس الإيراني السابق محمود أحمدي نجاد.

وبحسب التحقيق، الذي استند إلى محادثات مع مسؤولين سياسيين وأمنيين إسرائيليين ومسؤولين سابقين في الموساد ومصادر أميركية، رافقت الخطة خلافات عميقة داخل المؤسسة الأمنية الإسرائيلية، وسط تحذيرات استخباراتية من ضآلة فرص نجاحها.

وذكرت "هآرتس" أن نتنياهو طرح خلال زيارة إلى البيت الأبيض رؤيته بشأن تغيير الحكم في إيران، محاولاً إقناع الرئيس الأميركي دونالد ترامب بأن خطة الموساد قد تحقق هذا الهدف. وشارك برنياع في اجتماع عبر مكالمة فيديو من مقر الموساد، فيما بدا ترامب في البداية مقتنعاً بإمكان الإطاحة بالنظام. لكن الموقف داخل الإدارة الأميركية كان مختلفاً. فقد أعرب نائب الرئيس جيه. دي. فانس عن تشككه في الخطة، فيما وصف وزير الخارجية ماركو روبيو الأمر بأنه "هراء"، ووصف مدير وكالة المخابرات المركزية جون راتكليف الخطة بأنها "مهزلة". كما خلص مسؤولون استخباراتيون إلى أن توقع دور كردي يؤدي إلى إسقاط النظام كان "منفصلاً عن الواقع".

ولم تقتصر التحفظات على الجانب الأميركي. فبحسب "هآرتس"، خلصت تقييمات داخل شعبة الاستخبارات الإسرائيلية إلى أن فرص سقوط النظام في المدى القريب ضئيلة، وأن محاولة التنبؤ بالتحركات السياسية في ظل الفوضى غير واقعية. كما أثيرت شكوك بشأن مدى استعداد الأكراد والأقليات الأخرى للمشاركة، ومدى التزام الولايات المتحدة بدعم العملية. ورغم هذه التحذيرات، تمسك نتنياهو بالخطة. ووفق التحقيق، كان يعتقد أن الأكراد قادرون على نشر الفوضى، وأن سلاح الجو سيشل الحرس الثوري والصناعات العسكرية الإيرانية، فيما ستتكفل القنابل الأميركية المدمرة للتحصينات بضرب البرنامج النووي. في المقابل، حذرت شعبة الاستخبارات من أن إسقاط النظام قد يؤدي إلى قيام حكم عسكري أكثر تشدداً، من دون وجود قوى مدنية قادرة على موازنة الحرس الثوري. إلا أن مصادر مطلعة على موقف نتنياهو قالت للصحيفة إنه كان يرى أن الحكم العسكري قد يكون أفضل من حكم رجال الدين، باعتبار أن المصالح قد تحركه أكثر من الأيديولوجيا.

وكشف التحقيق أن إحدى أكثر مراحل الخطة إثارة للجدل تمثلت في الرهان على الرئيس الإيراني السابق محمود أحمدي نجاد. وعندما أطلع برنياع الوزراء على هذا الجانب من الخطة، أصيب بعضهم بالصدمة، وتساءل أحد المشاركين: "لماذا نلجأ إلى عناء تغيير الحكم إذا كان البديل سيئاً بالقدر نفسه؟".

لكن برنياع دافع عن التعاون مع أحمدي نجاد، مشيراً إلى خلافاته مع قادة النظام واستبعاده من الترشح للرئاسة واعتقال عدد من مساعديه. ووفقاً لـ"هآرتس"، أصبح الرئيس السابق، الذي عُرف سابقاً بمواقفه المتشددة ضد "إسرائيل"، يُنظر إليه في إطار الخطة باعتباره شخصية معارضة يمكن الاستفادة منها.

وقالت مصادر أميركية للصحيفة إن واشنطن كانت على دراية بالعلاقات مع أحمدي نجاد، وإن رئيس وكالة المخابرات المركزية أعطى الضوء الأخضر لتعميق التعاون مع الموساد بشأن الخطة.

ومع نهاية شباط، كانت الاستعدادات قد اكتملت. ووفقاً لتحقيق "هآرتس"، مضى نتنياهو في تنفيذ الخطة من دون طرحها للتصويت في محفل رسمي، معتبراً أنها تندرج ضمن التفويض العام الممنوح لإدارة الحرب.

وبحسب مصدر في دائرة صنع القرار، أبدى نتنياهو "حماسة مفرطة" لتنفيذ الخطة، فيما لم يواجه معارضة حاسمة من كبار المسؤولين، رغم أن بعضهم كان يشكك في نجاحها خارج الاجتماعات الرسمية.

وقبل ثلاثة أيام من بدء الهجوم، وقع خلاف حاد بين رئيس الأركان إيال زامير وبرنياع، بعدما قال الأخير إن اغتيال المرشد الإيراني علي خامنئي شرط لنجاح الخطة. ورد زامير قائلاً: "في هذه الحالة، أوقفوا كل شيء"، معتبراً أن ربط نجاح العملية باغتيال خامنئي يثير الشكوك بشأن الخطة برمتها.

لكن نتنياهو، وفق التحقيق، أصر على المضي قدماً.

بحسب "هآرتس"، شنت "إسرائيل" والولايات المتحدة هجوماً مشتركاً، وكانت الضربة الافتتاحية أنجح مما كان متوقعاً. لكن الجزء الأساسي من خطة الموساد لم يتحقق، إذ لم يبدأ الغزو الكردي، ولم تتحرك الأقليات الأخرى كما كان مخططاً.

وفي السابع من آذار، أعلن ترامب أنه لن يعطي الضوء الأخضر لدخول الأكراد إلى إيران، قائلاً: "لا أريد أن يدخل الأكراد إلى إيران. لقد أخبرتهم بذلك. الحرب معقدة بما فيه الكفاية".

وعزا برنياع فشل العملية إلى عاملين: مكالمة بين ترامب والرئيس التركي رجب طيب أردوغان، ضغط خلالها الأخير لمنع التعاون مع الأكراد، وخطاب لترامب دعا فيه الإيرانيين إلى البقاء في منازلهم خلال الحرب.

لكن مسؤولاً سابقاً رفيع المستوى في الموساد رفض هذا التفسير، وقال لـ"هآرتس": "لا تصدقوا هذا التفسير. برنياع يستخدم المحادثة بين أردوغان وترامب كذريعة".

وكشف التحقيق أن العملية الكردية أُجلت مرتين قبل إلغائها نهائياً. ففي المرة الأولى، لم تكن القوات الجوية مستعدة لتوفير الغطاء الجوي في الموعد المحدد. وفي المرة الثانية، كانت القوات جاهزة، لكن الأكراد رفضوا التحرك من دون ضوء أخضر أميركي واضح.

ووفقاً لمسؤولين تحدثوا إلى الصحيفة، كان الأكراد مسلحين ومتأهبين، لكن تجاربهم السابقة مع الولايات المتحدة جعلتهم يرفضون الدخول في مواجهة من دون ضمانات أميركية حاسمة.

وعندما أدرك برنياع أن الخطة الكردية انهارت، أمر بإعداد خطة بديلة للإطاحة بالنظام خلال 48 ساعة. واستندت الخطة إلى محاولة استغلال "يوم النار" الإيراني لإشعال احتجاجات داخل البلاد، إلا أن شعبة الاستخبارات عارضتها، محذرة من أن استخدامها قد يؤدي إلى كشف أصول استخباراتية مهمة من دون تحقيق نتائج حقيقية. وفي النهاية، تم التخلي عنها.

بعد ذلك، ركز الموساد على ضرب قواعد الباسيج وحواجز الطرق، أملاً في إثارة احتجاجات داخل إيران، لكن هذا الجهد توقف أيضاً بعد أيام.

ووفقاً لـ"هآرتس"، كانت إحدى أوضح علامات انهيار العملية توقف برنياع عن حضور تقييمات الوضع اليومية. فبعدما كان ينام في الثكنات خلال الأيام الأولى للحرب، بدأ يرسل نائبه أو رؤساء الأقسام بدلاً منه، ما دفع المشاركين إلى إدراك أن الخطة قد انتهت.

خلص تحقيق "هآرتس" إلى مفارقة أساسية في خطة الموساد. فمن جهة، تمكن الجهاز من بناء علاقات مع رئيس إيراني سابق، وتجنيد جماعات كردية وتسليحها وتدريبها، وحشد متعاونين داخل إيران، ونشر طائرات مسيّرة، وإقامة قاعدة في أذربيجان. لكن في لحظة التنفيذ، لم يتحقق الهدف الأساسي.

وقال مسؤول أمني رفيع للصحيفة: "هناك فشل للموساد هنا، ومصدره اعتقادهم بإمكانية الإطاحة بنظام بهذه القدرة المحدودة".

كما اعتبر رئيس الموساد السابق تامر باردو أن تغيير النظام يحتاج إلى سنوات طويلة، قائلاً إن أي عملية من هذا النوع تتطلب خروج المواطنين إلى الشوارع واستعدادهم للقتال، ولا يمكن لجهاز استخبارات أن يضمن ذلك.

بدوره، قال نائب رئيس الموساد السابق رام بن باراك إنه "من المستحيل تنفيذ خطة لتغيير النظام في غضون أشهر قليلة"، مقدراً أن بناء قيادة بديلة وتجنيد الأفراد وتأمين الأسلحة قد يستغرق عقداً على الأقل.

ووفقاً لمصدر مطلع على الخطة، كان أحد أبرز أوجه الخلل اعتماد كل مرحلة على نجاح المرحلة التي سبقتها، ولا سيما الخطة الكردية التي شكلت "حجر الزاوية". ومع سقوطها، أصبح من المستحيل المضي قدماً.

وأشار التحقيق أيضاً إلى ما وصفته مصادر أمنية بالغرور داخل دوائر صنع القرار، إذ لم تؤد التحذيرات الاستخباراتية إلى وقف الخطة، فيما لم يواجه كبار المسؤولين نتنياهو وبرنياع بمعارضة حاسمة.

وفيما يرى بعض المسؤولين أن الخطة كانت "خطأً استراتيجياً فادحاً" منح إيران فرصة لصناعة رواية انتصار، يدعو آخرون إلى التريث، معتبرين أن نتائج الحملة قد لا تتضح إلا بعد سنوات.

ولا يزال برنياع، وفقاً لما نقلته "هآرتس"، يعتقد أن النظام الإيراني قد ينهار في غضون عام إلى ثلاثة أعوام. لكنه يقر في الوقت نفسه بأن أي اتفاق بين الولايات المتحدة وإيران يؤدي إلى رفع العقوبات وتحرير الأصول قد يعزز قدرة النظام على البقاء.

وفي خلاصة التحقيق، تبرز مسؤولية مشتركة بين الموساد، الذي أوحى بوجود فرصة مرتفعة للنجاح، ونتنياهو، الذي دفع باتجاه تنفيذ الخطة رغم التحذيرات. وتخلص صحيفة "هآرتس" الإسرائيلية إلى أن المجازفة التي أقدم عليها نتنياهو قد تكلف "إسرائيل" ثمناً باهظاً.