اشترك مجانا بقناة الديار على يوتيوب

تتصاعد في واشنطن المخاوف من تقارير تتحدث عن سعي الصين لجمع واستغلال بيانات ملايين الناخبين الأميركيين، في قضية تتجاوز الجدل التقليدي حول تزوير الانتخابات إلى سؤال أوسع يتعلق بأمن البيانات وعمق الاختراق الخارجي لسجلات الناخبين. 

فبينما يقدّم الرئيس الأميركي دونالد ترامب القضية باعتبارها "أكبر اختراق انتخابي في التاريخ"، ترى مؤسسات أمنية واستخباراتية أن الخطر الأبرز يتركز في تجريف البيانات وبناء قدرات تحليلية واستهدافية، أكثر من كونه تغييرًا مباشرًا لنتائج التصويت، بحسب شبكة "إيه بي سي".


أكبر اختراق انتخابي في التاريخ

في خطاباته الأخيرة، يصعّد ترامب من لهجته تجاه الصين، متهمًا إياها بالوقوف وراء عملية واسعة النطاق استهدفت البنية الرقمية للانتخابات الأميركية. 

وفق روايته، تعود القضية إلى عملية ممنهجة هدفت إلى الوصول إلى بيانات نحو 220 مليون ناخب أميركي، عبر الاختراق أو شراء قواعد بيانات في 18 ولاية، ما يجعلها –بحسب وصفه– أكبر عملية تجسس انتخابي عرفتها الولايات المتحدة.

ويضيف ترامب تفاصيل رقمية لافتة، من بينها الحديث عن تسجيل نحو 250 ألف ناخب بشكل غير قانوني في أربع ولايات حساسة انتخابيًا، إلى جانب وجود 400 ألف اسم مصنفين كـ"متوفين" داخل سجلات الناخبين، بما يفتح الباب –وفقًا لخطابه– أمام شبهات التلاعب بالتسجيلات واستخدام هذه الاختلالات كمدخل للطعن في نزاهة العملية الانتخابية. 

وفي صلب هذه العملية، يشير ترامب إلى أن التركيز انصب على الأسماء، العناوين، الانتماء الحزبي، وبيانات الاتصال، باعتبارها مدخلاً رئيسيًا للفهم العميق للخريطة السياسية والاجتماعية الأميركية.

تعكس هذه الاتهامات تصورًا متزايدًا داخل الأوساط الغربية عن استخدام الدول الكبرى لبيانات الناخبين كسلاح في معارك النفوذ والقدرة على التأثير عن بعد. 

فجمع بيانات بهذا الحجم يسمح –نظريًا– ببناء قواعد بيانات دقيقة حول اتجاهات الرأي العام، وميول الناخبين، وأنماط التصويت والامتناع، بما يتيح تصميم حملات تأثير رقمية شديدة الاستهداف، سواء عبر منصات التواصل الاجتماعي أو عبر أدوات دعايات موجهة.

في هذا السياق، تتحدث الرواية المتداولة عن ثلاثة أهداف رئيسية محتملة: أولًا، تحليل الرأي العام الأميركي بصورة أعمق من أي وقت مضى؛ ثانيًا، استخدام المعلومات في الاستهداف السياسي الرقمي، عبر رسائل موجهة لفئات بعينها بهدف التأثير على سلوكها الانتخابي؛ وثالثًا، فتح الباب نظريًا أمام محاولات التلاعب بالتسجيلات الانتخابية، سواء عبر إدخال بيانات غير دقيقة أو استغلال الثغرات في سجلات الناخبين الأحياء والمتوفين على حد سواء.


موقف الاستخبارات الأميركية

في المقابل، تبدو مؤسسات الاستخبارات والأمن السيبراني الأميركية أكثر حذرًا في توصيف الواقعة وحدودها. فبينما تقر جهات رسمية بوجود محاولات خارجية –من الصين وغيرها– لجمع بيانات الناخبين واستكشاف ثغرات أنظمة التسجيل، فإنها تشدد حتى الآن على عدم توفر أدلة قاطعة تثبت تغييرًا عمليًا في نتائج التصويت أو اختراقًا مباشرًا لآليات العدّ والفرز.

هذا التباين ينعكس في الخطاب العام؛ فمن جهة، تتحدث التقارير عن ثغرات فعلية في أنظمة تسجيل الناخبين، ما يجعلها هدفًا مغريًا لأي جهة تسعى لبناء قدرات تحليلية على أساس بيانات واقعية. 

ومن جهة أخرى، تتعرض رواية ترامب لانتقادات داخلية واسعة، باتهامه بتضخيم القضية سياسيًا، وربطها بصورة مباشرة بالتشكيك في نتائج الانتخابات، على نحو يخدم أجندته في إعادة فتح ملف نزاهة التصويت وإعادة صياغة سردية التدخل الخارجي لصالحه.


تهديد الخصوصية قبل تزوير الأصوات

أمام هذا الجدل، يميل جزء مهم من المحللين في واشنطن إلى توصيف القضية بوصفها تهديدًا عميقًا لخصوصية البيانات وأمن السجلات الانتخابية أكثر من كونها دليلًا مثبتًا على تزوير الأصوات أو تغيير النتائج. 

فاختراق أو شراء قواعد بيانات بهذا الحجم يعني عمليًا أن المعلومات الشخصية والسياسية لملايين الأميركيين أصبحت عرضة للاستخدام من قبل جهات خارجية، وهو ما يفتح الباب أمام مخاطر بعيدة المدى تتعلق بقدرة تلك الجهات على قراءة المجتمع الأميركي والتأثير فيه، حتى خارج المواسم الانتخابية.

هذا التهديد يرتبط أيضًا بسؤال ثقة المواطنين في النظام الانتخابي؛ إذ إن انتشار أخبار عن اختراقات بهذا الحجم –حتى إن لم تثبت قانونيًا على مستوى تغيير النتائج– يزرع بذرة شك في الوعي الجمعي، ويجعل أي استحقاق انتخابي لاحق عرضة للتشكيك والتسييس، وهو ما تحذر منه مؤسسات ديمقراطية ترى في استقرار الثقة الشعبية ركيزة أساسية لاستمرار النظام السياسي.

على مستوى السياسات، تدفع هذه القضية النقاش داخل واشنطن في اتجاهين متوازيين. الاتجاه الأول يميل إلى التعامل مع الأزمة كفرصة لإعادة هيكلة وحماية أنظمة تسجيل الناخبين، عبر تعزيز المعايير السيبرانية، وتقييد الوصول إلى قواعد البيانات، ووضع ضوابط أشد على بيع أو مشاركة بيانات الناخبين مع أطراف تجارية أو بحثية قد تكون عرضة للاختراق أو الاستغلال الخارجي.

أما الاتجاه الثاني، فيرتبط باستمرار الجدل السياسي حول دور الصين في الانتخابات السابقة والمقبلة، حيث تُستخدم هذه القضية في الخطاب العام كجزء من سردية أوسع عن "الحرب الباردة الرقمية" بين واشنطن وبكين، وعن سعي كل طرف لتوظيف الفضاء السيبراني والبيانات الكبرى لخدمة مصالحه الجيوسياسية. 

وبين الإصلاح الفني والاشتباك السياسي، تبقى القضية مفتوحة على مسارين: مسار تقني يسعى لسد الثغرات في منظومة التسجيل الانتخابي، ومسار سياسي يستثمر في القلق العام من التدخل الخارجي، خصوصًا مع اقتراب أي استحقاق انتخابي جديد في الولايات المتحدة.


الأكثر قراءة

«رسائل» ميدانية للجيش قبل الاجتماع «الثلاثي» اليوم «اسرائيل» تراوغ... «والعين» على لقاء عون - ترامب؟