اشترك مجانا بقناة الديار على يوتيوب

غطى موضوعا الأزمة السياسية في أوكرانيا واجتماع باريس لـ"تحالف الراغبين" لدعم كييف، هذا الأسبوع، على التصعيد العسكري المستمر بين كييف وموسكو.

فقد أشعل الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي أزمة سياسية داخلية بعد تعديل حكومي مفاجئ أطاح بعدد من المسؤولين البارزين، في مقدمتهم وزير الدفاع ميخايلو فيدوروف، في خطوة فجّرت موجة احتجاجات شعبية وانتقادات حادة من داخل الأوساط السياسية والعسكرية.

يأتي هذا القرار في سياق خلاف حاد بين فيدوروف وقائد الجيش أوليكساندر سيرسكي، حيث اختار الرئيس زيلينسكي دعم القيادة العسكرية، مبررًا ذلك بضرورة الحفاظ على وحدة القرار في ظل الحرب المستمرة مع روسيا. وأقرّ الرئيس الأوكراني بأن الخلاف بين الطرفين بلغ مستوى لا يمكن معه استمرار التعاون، مؤكدًا أن رئيسًا في زمن الحرب لا يمكنه إدارة صراع داخلي بهذا الحجم داخل المؤسسة العسكرية.

غير أن هذا التبرير لم يهدئ الشارع الأوكراني، حيث خرج مئات المتظاهرين في عدة مدن، بما فيها كييف وأوديسا وفينيتسيا، مطالبين بعودة وزير الدفاع المقال، ورافعين شعارات مثل "أعيدوا فيدوروف” و”لماذا؟".

ويعكس هذا الغضب الشعبي المكانة التي كان يحظى بها فيدوروف، خاصة بين فئة الشباب، باعتباره رمزًا للإصلاح والتحديث داخل مؤسسات الدولة.

ويُنظر إلى فيدوروف على أنه مهندس التحول التكنولوجي في الجيش الأوكراني، حيث لعب دورًا محوريًا في تطوير برامج الطائرات المسيّرة، التي أصبحت عنصرًا أساسيًا في العمليات العسكرية، سواء في الدفاع عن الأراضي الأوكرانية أو في تنفيذ ضربات بعيدة المدى داخل العمق الروسي. كما سعى إلى إصلاح منظومة المشتريات العسكرية، وتقليص الفساد الذي طال هذا القطاع لسنوات طويلة.

في المقابل، قرر الرئيس تعيين يفجين خمارا وزيرًا جديدًا للدفاع، وهو عسكري بارز سبق أن شغل مناصب أمنية، لكنه يفتقر إلى الخبرة السياسية. وقد أثار هذا التعيين مخاوف من عودة هيمنة المؤسسة العسكرية التقليدية على حساب مسار الإصلاح، خصوصًا في ظل اتهامات بوجود مقاومة داخلية لأي تغييرات تمس شبكات النفوذ القديمة.

ولم يقتصر التعديل الحكومي على وزارة الدفاع، بل شمل أيضًا رئاسة الحكومة، حيث أُقيلت رئيسة الوزراء يوليا سفيريدينكو، وتم تعيين سيرغي كورتسكي خلفًا لها، وهو رجل أعمال معروف بإدارته لشركات الطاقة، خاصة في فترات الأزمات. وقد برر زيلينسكي هذا التغيير بالحاجة إلى قيادة قادرة على إدارة ملف الطاقة والاستعداد لفصل شتاء صعب في ظل استهداف البنية التحتية من قبل روسيا.

ويرى مراقبون أن هذه التغييرات تعكس صراعًا أعمق داخل السلطة بين رؤيتين مختلفتين: الأولى تمثلها النخبة العسكرية التقليدية التي تركز على الانضباط والتراتبية، والثانية يقودها جيل جديد من التكنوقراط يسعى إلى تحديث الجيش عبر التكنولوجيا والشفافية. ويعتقد منتقدو القرار أن إقالة فيدوروف جاءت نتيجة تزايد شعبيته وخروجه النسبي عن دائرة النفوذ المباشر للرئاسة.

كما أثارت هذه الخطوة انقسامات داخل حزب الرئيس، حيث أعلن بعض النواب استقالتهم أو دعمهم العلني لوزير الدفاع المقال، معتبرين أن ما حدث يمثل تراجعًا عن مسار الإصلاح الذي بدأ منذ سنوات. واعتبر ناشطون في المجتمع المدني أن التعديل الحكومي قد يكون محاولة لإعادة ترتيب مراكز القوة داخل الدولة، أكثر من كونه استجابة لضرورات المرحلة.

في المقابل، حذر خبراء عسكريون من أن استمرار هذه الخلافات قد يؤثر سلبًا على أداء الجيش الأوكراني، في وقت تحتاج فيه البلاد إلى أكبر قدر من التماسك لمواجهة التحديات الميدانية. كما أن تعدد التغييرات في المناصب الحساسة، خاصة وزارة الدفاع، قد يعرقل اتخاذ القرارات ويؤثر على استمرارية الخطط العسكرية.


تحالف دولي واسع في باريس لدعم أوكرانيا وتسريع بناء قوة دفاع أوروبية

على الصعيد الدولي، احتضنت العاصمة الفرنسية باريس هذا الأسبوع اجتماعًا دوليًا بارزًا جمع 37 دولة ضمن ما يُعرف بـ"تحالف الراغبين" لدعم أوكرانيا، في محاولة لتعزيز التنسيق العسكري والسياسي بين الدول الأوروبية وحلفائها لمواجهة الحرب المستمرة مع روسيا.

لم يكن هذا الاجتماع، الذي دعا إليه الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، مجرد لقاء رمزي، بل محطة مفصلية تهدف إلى الانتقال من مرحلة التعهدات السياسية إلى التنفيذ العملي لتعزيز قدرات كييف الدفاعية، وتسريع بناء منظومة أمن أوروبية أكثر استقلالية.

فمنذ تأسيس هذا التحالف عام 2024 بمبادرة فرنسية بريطانية، توسّع ليشمل معظم الدول الأوروبية، سواء داخل الاتحاد الأوروبي أو خارجه، إضافة إلى قوى دولية مثل تركيا وكندا وأستراليا واليابان ونيوزيلندا. ويعكس هذا التوسع إدراكًا متزايدًا بأن الحرب في أوكرانيا لم تعد قضية إقليمية، بل تمسّ الأمن الجماعي للقارة الأوروبية بل والنظام الدولي ككل.

خلال الاجتماع، شدّد قادة الدول والحكومات المشاركة على ضرورة دعم أوكرانيا "بشكل أسرع وأقوى"، وهو ما تُرجم في سلسلة من القرارات العملية. أبرز هذه القرارات إعلان فرنسا عن اتفاق مع كييف لتزويدها بـ16 طائرة مقاتلة من طراز "رافال"، على أن تدخل الخدمة ابتداءً من عامي 2028 و2029.

كما تم الاتفاق على تزويد أوكرانيا بمنظومات دفاع جوي متطورة، بينها بطاريات "SAMP/T"، إضافة إلى منحها تراخيص لإنتاج أسلحة متقدمة محليًا مثل صواريخ "أستر 30" وقنابل "AASM" وصواريخ "سكالب"، في خطوة تهدف إلى تعزيز استقلالها العسكري وتقليل اعتمادها على الخارج.

إلى جانب ذلك، تم الإعلان عن إطلاق "تحالف متكامل ضد الصواريخ الباليستية"، بمشاركة عدة دول أوروبية وأوكرانيا، لمواجهة التهديد المتزايد من الصواريخ الروسية. ويهدف هذا المشروع إلى بناء درع دفاعي أوروبي مشترك، من خلال توحيد الجهود الصناعية والعسكرية وتسريع إنتاج أنظمة اعتراض فعالة. وتأتي هذه المبادرة في ظل نقص واضح في الصواريخ المضادة، خاصة مع تركيز الولايات المتحدة على مناطق أخرى من العالم.


كما ناقش القادة مسألة نشر قوة متعددة الجنسيات في حال التوصل إلى وقف لإطلاق النار، حيث أصبحت هذه القوة جاهزة للانتشار وفق ما أعلنته باريس. وتم بالفعل إنشاء هيئة أركان مشتركة قرب العاصمة الفرنسية، على أن تنتقل قيادتها إلى المملكة المتحدة خلال العام المقبل. ومن المنتظر أن تبدأ هذه القوات تدريباتها في دول مجاورة لأوكرانيا خلال الأشهر القادمة، تمهيدًا لأي دور ميداني مستقبلي.

هذا التحرك الأوروبي يعكس أيضًا رغبة واضحة في تعزيز ما يُعرف بـ"الاستقلال الاستراتيجي الأوروبي"، أي تقليل الاعتماد على الولايات المتحدة داخل حلف الناتو، خاصة في مجالات التخطيط العسكري والدفاع الصاروخي. فبينما كانت واشنطن تاريخيًا اللاعب الرئيسي في قيادة العمليات داخل الحلف، بدأت أوروبا تسعى لتولي دور أكبر، سواء في التخطيط أو التنفيذ.

ورغم أن الولايات المتحدة ليست جزءًا رسميًا من هذا التحالف، فإن التحول الأخير في موقف الرئيس الأميركي دونالد ترامب، الذي أبدى دعمًا متزايدًا لأوكرانيا خلال اجتماعات دولية سابقة، منح المبادرة الأوروبية زخمًا إضافيًا. ومع ذلك، يبقى التحدي الأكبر أمام هذه الجهود هو قدرتها على التأثير فعليًا على مسار الحرب ودفع روسيا إلى طاولة المفاوضات.

من جهتها، لم تُخف موسكو استياءها من هذه التحركات، واعتبرتها تصعيدًا خطيرًا. فقد استدعت السفير الألماني ووجّهت انتقادات حادة لما وصفته بـ"الدعم المتزايد لنظام كييف"، في محاولة للضغط على الدول الأوروبية، خاصة تلك التي تُعرف بترددها التاريخي في الانخراط العسكري.

وبينما ما تزال الطريق نحو السلام غير واضحة، فإن هذا الحراك الدولي يشير إلى مرحلة جديدة عنوانها: أوروبا أكثر تسلحًا، وأكثر تنسيقًا، وأكثر استعدادًا لتحمّل مسؤولياتها الأمنية.

الأكثر قراءة

«رسائل» ميدانية للجيش قبل الاجتماع «الثلاثي» اليوم «اسرائيل» تراوغ... «والعين» على لقاء عون - ترامب؟