اشترك مجانا بقناة الديار على يوتيوب

يتحول خليج البنغال سريعاً إلى إحدى أهم ساحات التنافس الجيوسياسي في منطقة المحيطين الهندي والهادئ، مع تسارع التحركات الصينية لتأمين منفذ أكثر استقراراً إلى المحيط الهندي عبر ميانمار وبنغلاديش، في وقت ترد فيه الهند بتعزيز حضورها البحري وتطوير بنيتها العسكرية واللوجستية في جزر أندامان ونيكوبار ومحيط مضيق ملقا. 

ويعكس هذا التنافس انتقال الصراع بين القوتين الآسيويتين من حدودهما البرية إلى معركة طويلة الأمد على الموانئ والممرات التجارية وسلاسل الإمداد والبنية التحتية البحرية، بحسب "آسيا تايمز"

وتشير الإستراتيجية الوطنية للأمن البحري الهندية لعام 2026 إلى أن شرق المحيط الهندي وخليج البنغال سيشكلان محور المنافسة الإستراتيجية خلال السنوات المقبلة، مع تركيز متزايد على السيطرة على الموانئ، وشبكات الخدمات اللوجستية، والبنية التحتية للطاقة، والاتصال الرقمي، باعتبارها أدوات رئيسية لبناء النفوذ البحري، وليس فقط الاعتماد على القوة العسكرية التقليدية.

تأتي التحركات الصينية في وقت تواجه فيه مشاريع الربط البرية التي راهنت عليها بكين تحديات متزايدة. فقد أصبح الممر الاقتصادي الصيني-الباكستاني أكثر عرضة للمخاطر بسبب هجمات الجماعات المسلحة في إقليم بلوشستان.

كما زادت الحرب الأميركية الإيرانية والعقوبات من حالة عدم اليقين بشأن الممرات العابرة لإيران، بينما لا تزال الطرق الأوراسية والممر الأوسط تواجه قيوداً سياسية ولوجستية متعددة.

ودفعت هذه التطورات الصين إلى إعادة تقييم أولوياتها، عبر تعزيز الممر الاقتصادي بين الصين وميانمار، الذي يمنح مقاطعة يونان منفذاً مباشراً إلى خليج البنغال من خلال ميناء كياوكفيو، متجاوزاً مضيق ملقا والممرات الغربية الأكثر عرضة للاضطرابات. 

كما تدعم خطوط أنابيب النفط والغاز القائمة وخطط إنشاء طرق وسكك حديدية هذا التوجه، بما يعزز قدرة بكين على تأمين تدفقات التجارة والطاقة إلى جنوب غرب الصين.

إلا أن استمرار الصراع الداخلي في ميانمار يجعل الاعتماد على هذا المسار وحده محفوفاً بالمخاطر، وهو ما دفع بكين إلى توسيع رؤيتها لتشمل بنغلاديش ضمن ممر اقتصادي ثلاثي يضيف موانئ جديدة ومراكز لوجستية وقدرات صناعية إلى شبكة الربط الصينية في شمال خليج البنغال.

ويمثل ميناءا تشاتوجرام ومونغلا عنصرين مهمين في هذه الإستراتيجية، إذ يوفران بدائل تشغيلية في حال تعطل ميناء كياوكفيو، ويمنحان الصين مرونة أكبر في الوصول إلى المحيط الهندي.

في المقابل، ترى نيودلهي أن هذه التحركات تمثل تحدياً مباشراً لمصالحها الإستراتيجية، لذلك تعمل على تنفيذ خطة واسعة لتحويل جزيرة نيكوبار الكبرى إلى مركز متقدم للمراقبة البحرية والدعم اللوجستي والعمليات العسكرية في شرق المحيط الهندي.

كما عززت الهند تعاونها مع إندونيسيا لتطوير ميناء سابانغ، الواقع بالقرب من المدخل الشمالي لمضيق ملقا، بما يتيح لها مراقبة أحد أهم الممرات البحرية في العالم، ويكمل قدراتها في جزر أندامان ونيكوبار. 

وتمنح هذه المواقع نيودلهي قدرة أكبر على متابعة حركة التجارة العالمية وتأمين خطوط الملاحة وتعزيز وجودها العملياتي في المنطقة.

وتتزامن هذه التحركات مع توسع التعاون الدفاعي بين إندونيسيا وكلٍّ من الولايات المتحدة واليابان وأستراليا، وهو ما يسهم في تعزيز البنية الأمنية حول مضيق ملقا وشرق المحيط الهندي، ويزيد تعقيد البيئة الإستراتيجية التي تتحرك فيها الصين. 

ورغم أن هذه الشراكات لا تستهدف بكين بشكل مباشر، فإنها تقلص هامش حرية الحركة الذي تمتعت به الصين لفترة طويلة في المنطقة.

ويشير التقرير إلى أن التنافس بين الصين والهند تجاوز المفهوم التقليدي للقوة البحرية، ليصبح صراعاً على شبكات النقل، وسلاسل التوريد، والموانئ التجارية، والبنية التحتية للطاقة، والاتصالات الرقمية، والمنشآت ذات الاستخدام المزدوج، باعتبارها ركائز أساسية للنفوذ الإستراتيجي في القرن الحادي والعشرين.

ومن هذا المنطلق، لا يمثل الممر المقترح بين الصين وميانمار وبنغلاديش مجرد مشروع نقل جديد، بل خطوة لبناء شبكة لوجستية متكاملة تمنح بكين قدرة أكبر على الحفاظ على تدفق التجارة والطاقة حتى في أوقات الأزمات، وتقلل اعتمادها على مسار واحد أو نقطة اختناق بحرية واحدة.

في المقابل، تنظر الهند إلى هذه التحركات باعتبارها تهديداً لأمن اقتصادها البحري، إذ إن زيادة الحضور الصيني في ميانمار وبنغلاديش قد تؤثر في أمن الموانئ الهندية، وسلاسل الإمداد، وخدمات الشحن، والبنية التحتية البحرية والرقمية، حتى قبل أن يتحول هذا الوجود إلى انتشار عسكري واضح.

ويخلص التقرير إلى أن خليج البنغال مرشح ليصبح المسرح الرئيسي للتنافس بين أكبر قوتين في آسيا خلال السنوات المقبلة، حيث تراهن الصين على بناء شبكة ربط بحرية ولوجيستية أكثر مرونة، بينما تسعى الهند إلى تعزيز شراكاتها الإقليمية وتطوير قدراتها البحرية للحفاظ على ميزان النفوذ في شرق المحيط الهندي. 

ووفق هذا التصور، فإن مستقبل المنافسة لن تحدده الأساطيل الحربية وحدها، بل أيضاً القدرة على تأمين الممرات التجارية، وإدارة سلاسل التوريد، وبناء الموانئ والبنية التحتية، بما يعيد رسم الخريطة الإستراتيجية لخليج البنغال ومنطقة المحيطين الهندي والهادئ.


الكلمات الدالة

الأكثر قراءة

كواليس لقاء عون – روبيو ... الهدية وصلت؟