اشترك مجانا بقناة الديار على يوتيوب

مع اقتراب موعد الانتخابات الرئاسية لعام 2027، يُتوقع أن يزداد موضوع الحجاب في الفضاء العام حضورًا في النقاش السياسي والإعلامي الفرنسي. فقد كشف نقاش داخل حزب التجمع الوطني اليميني المتطرف، بزعامة مارين لوبان، عن إمكانية اللجوء إلى استفتاء شعبي لفرض حظره، في حال فوز الحزب بالانتخابات الرئاسية المرتقبة عام 2027. ويعيد هذا الطرح إلى الواجهة واحدة من أكثر القضايا حساسية في النقاش العام الفرنسي، المرتبطة بالعلمانية، والهوية، والحريات الفردية.

فمنذ عام 2012، يدافع الحزب، الذي كان يُعرف سابقًا باسم “الجبهة الوطنية”، عن حظر الحجاب في الفضاء العام، معتبرًا أنه يمثل تعبيرًا سياسيًا يتعارض مع مبادئ الجمهورية الفرنسية. وقد شكّل هذا الموقف أحد أبرز ثوابت الخطاب السياسي لليمين المتطرف، رغم التحولات التي شهدها الحزب في قضايا أخرى، مثل التخلي عن الخروج من الاتحاد الأوروبي أو إعادة العمل بعقوبة الإعدام.

اليوم، لا يبدو أن الحزب بصدد التخلي عن هذا الطرح، لكنه يبحث عن صيغة جديدة لتطبيقه، في ظل إدراك متزايد للصعوبات القانونية والسياسية التي قد تعترض طريقه.

وذكر مراقبون وسائل إعلام فرنسية أن تباينات في المواقف بدأت تظهر داخل الحزب نفسه. فقد أقر رئيسه جوردان بارديلا بأن فرض حظر شامل في الشارع “أمر معقد”، مشيرًا إلى ضرورة اعتماد نهج تدريجي. ويشمل هذا النهج، بحسب تصريحاته، التركيز أولًا على المؤسسات العامة، مثل الإدارات الحكومية، والجامعات، ومرافِقات الرحلات المدرسية، بدل فرض المنع بشكل فوري في الفضاء العام.

هذا التوجه يعكس حذرًا داخل الحزب، خاصة بعد الجدل الذي أثاره مشروع قانون قُدم عام 2021 تحت عنوان “مكافحة الإيديولوجيات الإسلامية”، والذي تضمن مادة تنص على حظر الألبسة أو الرموز التي تُعد تعبيرًا واضحًا عن هذه الإيديولوجيات في الأماكن العامة. وقد أثارت هذه المادة اعتراضات داخلية، ولم يتم تضمينها لاحقًا في بعض البرامج الانتخابية، ما يعكس انقسامًا حول مدى واقعيتها.

في ظل هذه التحديات، يطرح بعض قيادات الحزب خيار اللجوء إلى استفتاء شعبي، باعتباره وسيلة تمنح القرار “شرعية مباشرة” من الشعب. ويرى أنصار هذا التوجه أن الاستفتاء قد يسمح بتجاوز التعقيدات البرلمانية، ويمنح دفعة سياسية قوية لمثل هذا الإجراء.

غير أن هذا الخيار يثير بدوره تساؤلات عديدة. فمن الناحية الدستورية، قد يتعارض حظر الحجاب في الفضاء العام مع مبادئ أساسية، مثل حرية المعتقد والمساواة أمام القانون. ورغم أن المجلس الدستوري الفرنسي لا يملك صلاحية مراقبة دستورية القوانين التي تُعتمد عبر استفتاء، إلا أنه قد يتدخل بشكل غير مباشر، من خلال النظر في مرسوم الدعوة إلى الاستفتاء، وهو ما قد يؤدي إلى تعطيل العملية قبل إجرائها.

كما أن الدستور الفرنسي يحدد مجالات الاستفتاء، والتي تشمل تنظيم السلطات العامة، أو الإصلاحات الاقتصادية والاجتماعية والبيئية، أو المصادقة على المعاهدات الدولية، ما يطرح تساؤلًا حول مدى إدراج مسألة الحجاب ضمن هذه المجالات.

إلى جانب التحديات الداخلية، يواجه هذا المقترح عقبة قانونية على المستوى الأوروبي، إذ قد يتعارض مع الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان، التي تكفل حرية الدين والمعتقد. وفي حال اعتماد مثل هذا الإجراء، قد تتعرض فرنسا لطعون أمام الهيئات القضائية الأوروبية، ما يفتح بابًا جديدًا للنزاع القانوني.

ويرى مختصون في القانون العام أن أي محاولة لفرض حظر شامل في الفضاء العام ستصطدم حتمًا بهذه الالتزامات الدولية، وهو ما يزيد من تعقيد المسار أمام الحزب.

سياسيًا، يجد حزب “التجمع الوطني” نفسه أمام معادلة دقيقة. فمن جهة، يمثل هذا المقترح جزءًا من هوية الحزب وخطابه التقليدي، ومن جهة أخرى، فإن التمسك به قد يعرّضه لانتقادات واسعة ويضعه أمام عقبات قانونية يصعب تجاوزها.

كما يطرح هذا الملف تحديًا انتخابيًا، إذ قد يؤدي التراجع عنه إلى إحباط جزء من القاعدة الانتخابية للحزب، في حين أن الإصرار عليه قد ينفّر فئات أخرى من الناخبين، خاصة في ظل حساسية موضوع الحريات الدينية في المجتمع الفرنسي.

الأكثر قراءة

كواليس لقاء عون – روبيو ... الهدية وصلت؟