اشترك مجانا بقناة الديار على يوتيوب

في عالم تتصارع فيه تداعيات التغيّر المناخي مع أولويات التنمية، وتتداخل فيه مفاوضات الميزانيات مع مصير الأمن الغذائي، يظلّ السؤال الأكثر إلحاحاً: كيف يمكن للإعلام أن يكون جسراً بين لغة الأرقام في قاعات المفاوضات، وواقع الناس في حقولهم ومُدنهم؟

هذا هو الرهان الذي طرحته ورشة عمل تحت إشراف المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات في بيروت، وبرعاية وزير البيئة السابق ناصر ياسين، إنطلاقاً من مخرجات بون 20256 ، واستشرافاً لأنطاليا 2026. لم تكن الورشة مجرّد لقاء إعلامي، بل محاولة جريئة لقلب المعادلة، من تغطية الفيضانات والجفاف كخبر عابر، إلى فهم المناخ كقضية متشابكة علمياً وسياسياً واقتصادياً، ترتبط بالعدالة والتمويل وبمستقبل الأجيال.

جوهر الإشكالية

إستهلّ المحور الأول حبيب معلوف، الكاتب والصحافي المتخصص في قضايا البيئة والمناخ واستاذ محاضر في الفلسفة البيئية والإعلام البيئي، الذي تحدّث عن محاور وإشكاليات مفاوضات المناخ، معتبراً «أن قوّة أي إتفاق تكمن في طابعه الملزم والعقوبات المترتّبة على مخالفته». وتابع: «أنّ الإتفاقات تركت لكل دولة حريّة تعريف مساهماتها، فهي لم تعد أكثر من مبادرات وليست التزامات» مضيفاً: «أنّ جوهر المشكلة هو في عدم استعداد الدول الصناعيّة للتخلّي عن نموذجها الاقتصادي، وعدم تخلّي الدول الناشئة عن حلم تحقيقة».

ورأى أنّ «مسؤولية الصحافي البيئي لا تقف عند النقل، بل تمتد إلى المحاسبة والمساءلة، وأنّ يتحوّل الى محقق، يفضح التناقضات بين تصريحات الحكومات وأفعالها، لأن الصمت تواطؤ مع كارثة متصاعدة».

مضيفاً: «الحل هو في تغيير جذري غير مسبوق، وهو الإنتقال من إدارة الأزمات إلى التعامل مع المناخ كشرط للحياة السياسية والإقتصادية والإجتماعية، مع الإعتماد على الإرادة الشعبيّة والقضائية». كما يدعو إلى «إعادة توزيع المخاطر وربط الملف المناخي بالطاقة والزراعة والمياه والصحّة ضمن سياسات حكومية شاملة، لأنّ الكوارث باتت تتجاوز كل المكاسب التنموية التي عرفناها، والسؤال لم يعد كم تخفِّض؟ بل من يدفع ثمن ما حدث فعلاً».

الطاقة: ليست مجرّد واردات وصادرات

أما المحور الثاني تحدّثت فيه غوى نكت - المديرة التنفيذية لمنظمة غرينبيس الشرق الأوسط وشمال أفريقيا عن «أهميّة إهتمام الإعلام العربي بمفاوضات المناخ على صعيد الطاقة، التجارة، التنمية، الاقتصاد، المياه، الغذاء، والإستثمار».

أبرز ما قالته في هذا السياق: «المنطقة تعتمد على الوقود الأحفوري بأكثر من ٩٥% وهذا يهدّد أمنها الوجودي. وأن الحلّ هو في «استثمار فوري بالطاقة الشمسيّة المنطقة تستقبل 26-٢٢% من الإشعاع الشمسي العالمي لتحقيق سيادة طاقوية حقيقية».

المياه والغذاء: أزمة وجوديّة تتقاطع مع كلّ شىء

وأضافت نكت أن «التغيّر المناخي يهدّد الأمن الغذائي مباشرة، لذا يجب ربط المفاوضات بتمويل التكيّف وتقنيّات مبتكرة ، الزراعة الكهروضونية التي تجمع بين الطاقة والغذاء». وأشارت إلى أنّ «تمويل المناخ الحالي هو ديون جديدة وليس دعماً»، وطالبت بـ«تمويل قائم على المنح وليس القروض».

وأكدت أنّ «الدول الصناعيّة والشركات النفطية تتحمّل المسؤولية التاريخية، وتمويل الخسائر والأضرار». مضيفة أنّ «الإعلام العربي مُطالَب بالانتقال من التغطية الموسمية إلى تغطية استقصائية متكاملة تربط المناخ بالسيادة (الطاقة والمياه) الأمن الغذائي، الاستقرار الاقتصادي، العدالة الاجتماعية، وإلاّ ستظل التغطية خبراً عابراً، بينما الأزمة تتفاقم».

دور قطاع الطاقة العالمي في مسألة تغيّر المناخ

وفي المحور الثالث تناول المهندس بيار توفيق الخوري أمين فرع لبنان في مجلس الطاقة العالمي ( World Energy Council) دور قطاع الطاقة العالمي في مسألة تغيّر المناخ قائلاً: «يلتزم عدد متزايد من البلدان بصافي انبعاثات صفرية بحلول عام 2050، حيث يجب خفض الإنبعاثات إلى النصف بحلول عام 2030 ، للحفاظ على ارتفاع لا يتجاوز ١,٥ درجة مئوية».

وأضاف أنّ «تحويل أنظمة الطاقة من الوقود الأحفوري إلى مصادر الطاقة المتجدّدة، مثل الطاقة الشمسيّة أو طاقة الرياح، سيؤدي إلى تقليل الإنبعاثات التي تؤدي إلى تغيّر المناخ، من خلال خفض إستخدام الفحم والنفط والغاز».

ويرى أن «الحلّ الأكثر إلحاحاً لأزمة الطاقة في لبنان قد إنطلق بالفعل من الأسفل، ويتمثل في التوسّع الهائل في بإستخدام الطاقة البديلة كالشمسية، مما تساهم بتقديم حلّ عملي إقتصادي». مشيراً إلى أنّها أصبحت «ضرورة، وليس بديلاً وأرخص بعشر مرات من المولّدات الخاصة، مع توفير أمن للتيار الكهربائي وإنخفاض التكاليف».

المناخ ولغة الحياة؟

وفي الختام تحدّث الصحافي والباحث المتخصص في الشؤون البيئية مصطفى رعد عن السرد الرقمي للقضايا المناخية، وكيف نحوّل البيانات إلى قصّة مؤثرة.

في زمن تبحث فيه المنطقة العربية عن صوتها في المحافل الدولية، يبقى الإعلامي هو الراصد، المحلّل، وربما الأهم، هو الراوي القادر على تحويل تعقيدات «بون» إلى هموم يومية، وتوقّعات كوب 31 في أنطاليا إلى قصص تلامس نبض الشارع. فهل ننجح هذه المرّة في ترجمة المناخ إلى لغة الحياة؟ 

الأكثر قراءة

قمــة ناجحة في البيت الابيض عون: هدفنا إنهاء الحرب وترسيخ الاستقرار ترامب: انت محترم وستحصل على ما تشاء