اشترك مجانا بقناة الديار على يوتيوب

أقامت السفيرة اللبنانية في واشنطن ندى حمادة معوض، ليل أمس، حفل عشاء تكريميًا على شرف رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون واللبنانية الأولى السيدة نعمت عون، في مقر إقامتها، وذلك في اليوم الأخير من زيارة الرئيس عون الرسمية إلى الولايات المتحدة الأميركية.

وشارك في العشاء أعضاء الوفد اللبناني المرافق، إلى جانب عدد من أعضاء الكونغرس والمسؤولين في الإدارة الأميركية، وشارك كذلك عدد من مساعدي وزراء الخارجية والحرب والخزانة، وكبار المديرين في مجلس الأمن القومي ومؤسسة تمويل التنمية الدولية.

وبعد عزف النشيدين اللبناني والأميركي، رحبت السفيرة حمادة معوض بالرئيس عون واللبنانية الأولى، مؤكدة أن زيارته إلى واشنطن تأتي في لحظة مفصلية بالنسبة إلى لبنان، وتعكس الالتزام بتعزيز العلاقات التاريخية بين لبنان والولايات المتحدة، والعمل على تحقيق تطلعات الشعب اللبناني إلى السيادة ووحدة الأراضي والأمن والازدهار والسلام.

وقالت حمادة معوض للرئيس عون: "نحن على ثقة بأن هذه الزيارة ستساهم في فتح فصل جديد في العلاقات اللبنانية–الأميركية، وتعزيز الشراكة بين البلدين".

 أعرب الرئيس عون عن سعادته بمشاركة هذا العدد الكبير من أصدقاء لبنان في العشاء، مشيرًا إلى أنه تطلع منذ وقت طويل إلى هذه الزيارة، ليس فقط لأنها الأولى له بصفته رئيسًا للجمهورية، بل لأنها تمثل أول زيارة رسمية لرئيس لبناني إلى واشنطن منذ سبعة عشر عامًا.

وأكد أن الصداقة بين لبنان والولايات المتحدة متجذرة بعمق في التاريخ، مشيرًا إلى الدور الذي أداه المبشرون الأميركيون في تأسيس الجامعة الأميركية في بيروت عام 1866، وإلى الدور التربوي المميز للجامعة اللبنانية الأميركية، وما قدمته المؤسستان في تعليم أجيال من اللبنانيين وقادة المنطقة ضمن تقليد من التعلم والحرية.

ولفت إلى أن نحو ستمئة ألف أميركي يعودون بجذورهم إلى لبنان، وقد برزوا في الأعمال والطب والأكاديميا والخدمة العامة والحكومة، بما في ذلك الكونغرس والإدارة الأميركية الحاليان.

وأشار عون إلى ما بنته الولايات المتحدة ودافعت عنه في لبنان، من مليارات الدولارات المستثمرة في الجيش اللبناني، وعقود من الدعم للمؤسسات اللبنانية، وأحد أكبر المجمعات الدبلوماسية الأميركية في العالم، مؤكدًا أن ما يربط البلدين يتجاوز التاريخ إلى حقيقة ما يمثله لبنان.

وتوقف عند إسهامات لبنان الحضارية، من الأبجدية الفينيقية وطرق التجارة البحرية والأرجوان الصوري، إلى أسس القانون الروماني التي كانت تدرّس في بيروت القديمة، مشيرًا إلى أن أثر لبنان في الحضارة كان دائمًا أكبر من حدوده، وأن اسمه ورد في الكتاب المقدس أكثر من سبعين مرة، فيما احتُفي بأرزه رمزًا للقوة والجمال والقداسة.

وأضاف أن لبنان قدّم في العصر الحديث أدبًا يُقرأ بأكثر من مئة لغة، وإنجازات في الطب والعلوم، وانتشارًا يبلغ نحو خمسة عشر مليون نسمة، لا يزال أطباؤه وعلماؤه ورجال أعماله وفنانوه يساهمون في تشكيل مجتمعات بعيدة عن شواطئه.

وأكد أن لبنان صمد عبر آلاف السنين من الإمبراطوريات والغزوات، لا بعزل نفسه، بل بربط الشرق بالغرب واستيعاب أفضل ما فيهما ونقله، مستذكرًا وصف البابا يوحنا بولس الثاني للبنان بأنه "أكثر من بلد، إنه رسالة".

وقال إن لبنان ليس مجرد بلد تعيش فيه ثماني عشرة طائفة معترفًا بها ضمن حدود واحدة، بل هو دليل، منذ نحو قرن، على إمكان مشاركة هذه الطوائف وطنًا واحدًا وعلمًا واحدًا، وإن شاء الله جيشًا واحدًا، من دون أن تضطر أي منها إلى الذوبان في الأخرى.

وأضاف: "يشرّفني أن أكون رئيس الدولة المسيحي الوحيد في العالم العربي بأسره"، موضحًا أن ذلك لا يمثل تميزًا شخصيًا، بل يعكس النموذج اللبناني الفريد في العيش المشترك، وهو نظام قادر على النجاح جيلًا بعد جيل، رغم أقسى ما تعرض له عبر التاريخ.

وشدد على أن النموذج اللبناني يستحق الحماية، ليس من أجل لبنان وحده، بل من أجل المنطقة، ولأنه يقوم على الأساس نفسه الذي بُنيت عليه الأمة الأميركية.

وأكد أن لبنان بقي ديمقراطية منذ نحو مئة عام، وأن اللبنانيين لم يتوقفوا عن التصويت والنقاش والإيمان بحقهم في اختيار من يحكمهم، رغم الاحتلال والحرب الأهلية والانهيار الاقتصادي، مشددًا على أن الديمقراطية اللبنانية انحنت لكنها لم تنكسر.

وتحدث عون عن الأزمات التي تحملها اللبنانيون في السنوات الأخيرة، من استضافة أعلى نسبة من اللاجئين للفرد الواحد في العالم، إلى انفجار مرفأ بيروت، والانهيار المالي الذي قضى على مدخرات العمر، والجائحة العالمية، والفراغ السياسي، والحرب المدمرة، مؤكدًا أن الشعب اللبناني لم يتخلَّ رغم ذلك عن بلده.

وقال إن لبنان يشارك الولايات المتحدة إيمانها بأن الشعوب الحرة والأسواق الحرة والمؤسسات القوية تصنع أممًا أقوى، مشيرًا إلى أنه جعل، بصفته قائدًا للجيش ثم رئيسًا للجمهورية، حماية المصالح والأفراد الأميركيين في لبنان من أولوياته.

وتطرق إلى الخسائر التي تكبدها لبنان، مؤكدًا أن آلاف المدنيين، بينهم نساء وأطفال، قُتلوا، وأن قرى وعائلات بأكملها دُمرت، فيما نزح نحو واحد من كل خمسة لبنانيين من منزله.

وأضاف: "بالنسبة إلينا، هذه ليست إحصاءات، إنهم أبناؤنا وآباؤنا وجيراننا وأصدقاؤنا. وراء كل رقم وجه واسم وعائلة وحياة تغيرت إلى الأبد".

وأشار إلى أنه أمضى اثنين وأربعين عامًا في الجيش اللبناني وصولًا إلى قيادته، وأن تلك العقود رسخت لديه قناعة بأن لبنان لا يمكن أن يكون آمنًا ولا موحدًا إلا حين يكون دولة واحدة بجيش واحد يحمي جميع اللبنانيين من دون تمييز.

وأكد أن هذه القناعة ليست شعارًا، بل مهمة ولايته الرئاسية، وتشمل إنهاء الحرب، ومساعدة العائلات على العودة إلى ديارها، وإعادة بناء مجتمعاتها، وإنهاء حالة العداء مع إسرائيل بصورة نهائية، وترسيخ سيادة الدولة اللبنانية.

وقال إن هذه المسؤولية هي التي جاءت به إلى واشنطن، معتبرًا أن هناك، للمرة الأولى منذ سنوات، فرصة حقيقية لصنع التاريخ.

وأضاف أن لحظات كهذه لا تتكرر إلا مرة كل جيل، فإما أن تدرك الأمم قيمتها، أو تقضي جيلًا آخر نادمة على تفويتها.

ولفت إلى أن لبنان كان، طوال نحو خمسين عامًا، ساحة معركة لصراعات ومصالح فلسطينية وسورية وإسرائيلية وإيرانية، وأحيانًا لصراعات لبنانية، لكنه شدد على أن أمرًا جديدًا يحدث اليوم، ليس بالصدفة أو الحظ، بل نتيجة اختيار اللبنانيين.

وأوضح أن الدولة عملت منذ توليها السلطة بصورة حاسمة نحو هدف واحد، هو دولة واحدة وجيش واحد، وإنهاء الجماعات المسلحة غير الشرعية التي تعمل خارج إطار الدولة، إلى جانب السعي إلى إصلاحات حقيقية وإنهاء الفساد وإعادة بناء المؤسسات التي يمكن للشعب اللبناني أن يثق بها مجددًا.

وأكد أن كل خطوة اتُخذت تثبت أن مسار الدولة السيدة والمسؤولة ليس فقط المسار الصحيح من حيث المبدأ، بل الوحيد القادر على إنهاء النزاع وتحقيق الازدهار، مشيرًا إلى أن أغلبية واضحة من اللبنانيين ومن مختلف الطوائف تقف خلفه.

كما شدد على أن لبنان اختار استعادة علاقاته في المنطقة والعالم، وإعادة تموضعه حيث ينتمي، لا كساحة لأجندات الآخرين، بل كدولة سيدة ترفض التدخل من أي جهة وبأي شكل، وهو خيار أكسبه دعمًا متجددًا من أصدقاء في العالم العربي وخارجه.

وتحدث عن العلاقة مع سوريا، مؤكدًا أن لبنان يبني مع دمشق علاقة دولة بدولة، تقوم على الاحترام المتبادل والسيادة وعدم التدخل في الشؤون الداخلية، مشددًا على أن البلدين لا يريدان تكرار مآسي التدخلات الماضية التي كان يمكن أن تزعزع استقرار لبنان وسوريا والمنطقة.

وأكد عون أن الولايات المتحدة، تحت قيادة الرئيس دونالد ترامب ومن خلال الإطار الثلاثي الذي توسطت فيه إدارته بين لبنان وإسرائيل في حزيران الماضي، قدمت الالتزام الأميركي الأكثر جدية باستقرار لبنان منذ عقود.

وقال إن الإطار لم يُنجز بالصدفة، بل لأن الإدارة الأميركية دفعت باتجاه تحقيقه، ولأن لبنان حضر مستعدًا لتحويله إلى واقع، معتبرًا أنه نادرًا ما تتقاطع الإرادة الداخلية والدعم الإقليمي والقيادة الأميركية في لحظة واحدة، لكنها تتقاطع اليوم.

وأشار إلى أن السياسة والدبلوماسية منحتا لبنان الفرصة، لكن تحقيقها يحتاج إلى مؤسسة قوية، مؤكدًا أن الجيش اللبناني هو المؤسسة التي تحمل ثقل كل ما وصفه.

وشدد على أن الجيش ليس مجرد قوة عسكرية، بل المؤسسة الوطنية الحقيقية الوحيدة التي تحظى بثقة جميع اللبنانيين، ولا تنتمي إلى طائفة أو حزب أو فصيل، بل إلى لبنان وحده.

وتحدث عن مهمات الجيش في حراسة الأراضي والحدود البحرية، وهزيمة تنظيم داعش على الأراضي اللبنانية، ومواجهة تهريب المخدرات والجريمة المنظمة والتهريب عبر الحدود، والتعاون مع قوى الأمن الداخلي لحفظ النظام العام، وحماية البنية التحتية الحيوية، والاستجابة للكوارث من فيضانات وانفجارات وانهيارات في جميع المناطق ومن دون استثناء.

وطالب الولايات المتحدة بمواصلة الاستثمار في الجيش اللبناني، معتبرًا أنه مؤسسة مثبتة ومختبرة وجديرة بالثقة، وستكون محط أنظار العالم خلال معالجة أصعب الملفات.

وتناول عون بصورة مباشرة مسألة نزع سلاح حزب الله، قائلًا: "هل نزع سلاح حزب الله قابل للتحقيق فعلًا؟ نعم، لكن فقط إذا كنا صادقين بشأن ما يتطلبه الأمر فعلًا".

وأوضح أن الجماعة المسلحة ليست قوة مرتزقة أجنبية، بل مؤلفة من مواطنين لبنانيين شكّلهم، على مدى أربعين عامًا، استثمار أيديولوجي واجتماعي وعسكري هائل ومستمر، وحوّلهم إلى جماعة مسلحة غير تابعة للدولة وتعمل خارج سيطرة الحكومة.

وأكد أن هذا الواقع لا يجعل الهدف أقل إلحاحًا، بل يجعل الأسلوب أكثر أهمية، مشيرًا إلى أن التاريخ يقدم مسارًا مثبتًا، من القوات المسلحة الثورية في كولومبيا إلى الجيش الجمهوري الإيرلندي في أيرلندا الشمالية، يقوم على نزع السلاح والتسريح وإعادة الإدماج.

وقال إن المسار يبدأ بإزالة السبب الجذري الذي لطالما استشهد به حزب الله مبررًا لوجوده، وهو الاحتلال الإسرائيلي للأراضي اللبنانية.

وأضاف أن المسار يستمر مع تولي الجيش اللبناني السيطرة العملانية الكاملة والحصرية، وهو ما يتطلب دعمًا فوريًا وغير مشروط للقوات المسلحة، بوصفها المدافع الشرعي الوحيد عن لبنان.

وأوضح أن المرحلة الأخيرة تتمثل في إعادة الإدماج من خلال برنامج إعادة إعمار تديره الدولة اللبنانية وحدها، ومقرون بفرص اقتصادية حقيقية، بحيث لا يعود السلاح الخيار الوحيد، بل يصبح البديل دولة فاعلة تحقق وعودها.

وشدد على أن المسار السياسي من دون مسار اقتصادي يعني دولة لا تستطيع المنافسة، وأن الدولة القوية هي البديل الوحيد للفراغ، الذي سيتولى آخرون ملأه ما لم تحل الدولة مكانه.

وأكد أنه في كل مرحلة يجب أن تكون الدولة اللبنانية هي الطرف الذي يبسط سلطته على أرضه، ويتحكم بحدوده، ويحتكر وحده قرار الحرب والسلم، قائلًا إن هذا هو المسار الذي اختاره، والذي جاء إلى واشنطن ليطلب من الولايات المتحدة سلوكه مع لبنان.

وقال عون إنه يريد أن يذكر الجيل المقبل لبنان، لا بوصفه المكان الذي لم تنتهِ فيه الحروب يومًا، بل بوصفه المكان الذي ساد فيه السلام أخيرًا، ليس فقط لأن الأسلحة صمتت، بل لأن الدولة أصبحت قوية بما يكفي لحماية شعبها وتوفير الفرص وبناء مستقبل يليق بمواهب اللبنانيين.

وأكد أن هذه هي الشراكة التي يأمل لبنان في بنائها مع الولايات المتحدة، معتبرًا أنه لم يسبق أن كانت هناك لحظة أفضل لبنائها، ولا شريك أنسب من واشنطن للمساعدة في تحقيقها.

وفي ختام كلمته، شكر عون الحاضرين على دعمهم للبنان، كما شكر السفيرة ندى حمادة معوض ووفد التفاوض اللبناني على عملهم في تحقيق الإطار الثلاثي وجعل الزيارة ممكنة، داعيًا إلى نخب الصداقة بين لبنان والولايات المتحدة، بوصفها صداقة عريقة اكتسبت الثقة، وقوية بما يكفي لإعادة كتابة قصة المنطقة.

وخلال العشاء، تبادل الرئيس عون والمدعوون أطراف الحديث، وتطرقوا إلى الوضع في لبنان وما يمكن أن تقدمه الولايات المتحدة للمساعدة في استعادة الصورة الحقيقية للبلاد وتمكينها من استعادة الدور الذي لطالما تميزت به في الشرق الأوسط والعالم.

كما اطّلع الرئيس عون على أوضاع اللبنانيين في الولايات المتحدة بصورة عامة، وفي واشنطن بصورة خاصة.

الأكثر قراءة

قمــة ناجحة في البيت الابيض عون: هدفنا إنهاء الحرب وترسيخ الاستقرار ترامب: انت محترم وستحصل على ما تشاء