اشترك مجانا بقناة الديار على يوتيوب

تواجه إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب انتقادات متزايدة بسبب اتباعها مسارين متناقضين في التعامل مع أبرز شخصيتين سياسيتين في فنزويلا، حيث تلاحق الرئيس السابق نيكولاس مادورو قضائياً بتهم تهريب المخدرات، بينما تمنح ديلسي رودريغيز، التي تعترف بها واشنطن رئيسة مؤقتة للبلاد، حماية قانونية من دعاوى قضائية تتعلق بانتهاكات حقوق الإنسان.

وحددت محكمة فيدرالية أميركية موعداً في حزيران 2027 لمحاكمة مادورو وزوجته سيليا فلوريس بتهم مرتبطة بتهريب المخدرات، بعد احتجازهما في سجن بروكلين إثر عملية عسكرية أميركية في كاراكاس خلال كانون الثاني الماضي. وينفي الزوجان الاتهامات الموجهة إليهما، وقد دفعا ببراءتهما.

في المقابل، أبلغت وزارة العدل الأميركية محكمة اتحادية في ولاية فلوريدا بأن رودريغيز تتمتع بالحصانة من حكم مدني بقيمة 314 مليون دولار يتعلق بتعذيب ثلاثة أميركيين كانوا محتجزين في فنزويلا، بحجة أن اعتراف واشنطن بها كرئيسة مؤقتة يمنحها حماية من الملاحقة القضائية طالما بقيت في منصبها.

ويرى محللون أن التناقض في الموقف الأميركي يعكس صراعاً بين أولويات مختلفة داخل إدارة ترامب، بين الرغبة في تحقيق مكاسب اقتصادية واستقرار سريع، وبين الدعوات لإجراء تحول ديمقراطي حقيقي في فنزويلا، بحسب "نيوزويك".

وقال بنيامين جيدان، مدير برنامج أميركا اللاتينية في مركز "ستيمسون" والمسؤول السابق في مجلس الأمن القومي الأميركي، إن سياسات الإدارة تعكس أجندات متباينة، موضحاً أن ترامب ركز على مصالح الطاقة والاستثمار، خصوصاً مع ارتفاع إنتاج النفط وفتح فرص أمام الشركات الأميركية.

وأضاف جيدان أن ترامب "معجب بشدة" بديلسي رودريغيز، رغم عدم انتخابها، بينما يتبنى وزير الخارجية ماركو روبيو موقفاً أكثر تشدداً تجاه ضرورة تحقيق انتقال سياسي في فنزويلا.

وأشار إلى أن روبيو حاول دفع مفاوضات بين الحكومة والمعارضة الديمقراطية، في حين سعى البيت الأبيض إلى تجنب دعم شخصيات معارضة قد تعرقل الترتيبات الحالية مع رودريغيز.

تأتي هذه التطورات في وقت تبتعد فيه زعيمة المعارضة الفنزويلية ماريا كورينا ماتشادو عن المشهد السياسي داخل البلاد، رغم فوزها بجائزة نوبل للسلام العام 2025، واعتقاد مراقبين بأن تحالفها كان قد هزم مادورو في انتخابات تموز 2024.

ويرى محللون أن إدارة ترامب لم تشجع ماتشادو على العودة إلى فنزويلا، خشية أن يؤدي ظهورها إلى تهديد التفاهمات القائمة مع حكومة رودريغيز.

وقالت لورا ديب، مديرة برنامج فنزويلا في مكتب واشنطن لشؤون أميركا اللاتينية، إن الأساس القانوني لبقاء رودريغيز في السلطة يواجه تساؤلات، مشيرة إلى أن المحكمة العليا الفنزويلية أعلنت بعد اعتقال مادورو حالة "غياب قسري"، وهو إجراء لا يوجد له نص واضح في الدستور الفنزويلي.

وأضافت أن الانتخابات التي كان يفترض الدعوة إليها لم تُحدد حتى الآن، معتبرة أن واشنطن تقدم رسائل متناقضة عبر دعم عملية تفاوضية تهدف لإعادة بناء المؤسسات الانتخابية، وفي الوقت نفسه حماية رودريغيز قانونياً.

كما يستخدم الرئيس الأميركي ما حدث في فنزويلا كنموذج لنجاح سياسة تغيير الأنظمة، خصوصاً مع تصاعد التوترات مع إيران.

وكان ترامب قد وصف التحول في فنزويلا بأنه "السيناريو الأمثل"، مشيراً إلى أن الإطاحة بمادورو أدت إلى تغيير سريع في موقف الحكومة الجديدة تجاه واشنطن.

لكن محللين يرون أن مقارنة فنزويلا بإيران تواجه صعوبات كبيرة، بسبب اختلاف طبيعة النظام الإيراني وامتلاكه مؤسسات أمنية ودينية أكثر تعقيداً.

وقال رونالد رودريغيز، الباحث في مرصد فنزويلا بجامعة ديل روزاريو في كولومبيا، إن إدارة ترامب تركز على بناء رواية سياسية أكثر من تقييم النتائج الواقعية، مشيراً إلى أن واشنطن تدعم حالياً حكومة متهمة بانتهاكات حقوق الإنسان لأنها تتوافق مع مصالح أميركية واقتصادية محددة.

وأضاف أن العلاقة بين واشنطن وكاراكاس لا تقوم على تحالف حقيقي، بل على محاولة كل طرف استغلال الطرف الآخر لتحقيق أهدافه.


النفط وإعادة رسم العلاقات الاقتصادية

يمثل قطاع الطاقة محوراً رئيسياً في سياسة واشنطن الجديدة تجاه فنزويلا، التي تمتلك أكبر احتياطيات نفطية مؤكدة في العالم.

وقاد وزير الطاقة الأميركي كريس رايت ووزير الداخلية دوغ بورغوم وفوداً إلى فنزويلا، فيما خففت واشنطن بعض العقوبات للسماح للشركات الأميركية بتوسيع أنشطتها في قطاع النفط.

لكن منتقدين يحذرون من أن عودة الاستثمارات النفطية لا تعني بالضرورة تحسن أوضاع المواطنين، في ظل استمرار مشاكل البيروقراطية والفساد وضعف المؤسسات القضائية.

وقالت ديب إن زيادة إنتاج النفط لم تنعكس بعد على حياة الفنزويليين العاديين، محذرة من أن الدعم الشعبي للانفتاح الأميركي قد يتراجع إذا لم تظهر نتائج ملموسة.

وتواجه فنزويلا تحديات إضافية بعد الزلزال الذي ضرب البلاد في 24 حزيران، والذي تسبب وفق أرقام رسمية في مقتل أكثر من 5000 شخص ونزوح نحو 7000 آخرين، بينما تشير تقديرات مستقلة إلى أرقام أعلى.

وقالت ديب إن الاستجابة الحكومية كانت محدودة خلال الساعات الأولى الحرجة بعد الكارثة، مشيرة إلى تقارير تفيد بأن الدولة لم تستخدم سوى جزء صغير من قدراتها الطارئة.

ويرى الخبراء أن نجاح سياسة ترامب في فنزويلا سيعتمد على قدرة الحكومة الجديدة على تحقيق استقرار اقتصادي وسياسي، وليس فقط على إزاحة مادورو أو جذب الاستثمارات النفطية.


الأكثر قراءة

العـلـم اللبـناني يرفـرف في زوطـر الغربـية شروط أميركية لتحقيق إنسحاب اسرائيلي كامل عون يتصدى لخطة ترامب لإقحام الشرع بمواجهة حزب الله