اشترك مجانا بقناة الديار على يوتيوب

منذ مطلع الألفية الثالثة، اعتبر صناع القرار السياسي والاقتصادي والتكنولوجي في الولايات المتحدة والغرب عمومًا أن الصعود الاقتصادي والعسكري والتكنولوجي للصين يمثل تهديدًا خطيرًا، وربما وجوديًا، للغرب، وأن مواجهته تتطلب تحركًا على مستويات عدة، بدءًا من التخطيط العسكري وصولًا إلى فرض قيود على تأشيرات الطلاب الصينيين الراغبين في الدراسة بالولايات المتحدة، بهدف الحد من وصول بكين إلى المعرفة العلمية المتقدمة.

وفي تحليل نشرته مجلة "فورين أفيرز" الأميركية، يقول لوجان رايت، الشريك في مؤسسة "روديوم جروب" للاستشارات ورئيس إدارة أبحاث الاقتصاد والأسواق المالية الصينية، إن الاقتصاد الصيني شهد تغيرات جذرية جعلت طبيعة التحدي الاستراتيجي الذي تمثله بكين مختلفة تمامًا عما كانت عليه قبل أربع سنوات فقط، معتبرًا أن هذا التحول يمنح الولايات المتحدة فرصة لإعادة تعزيز موقعها الاقتصادي العالمي واحتواء الصعود الصيني.

ويرى رايت أن العديد من المحللين يتجاهلون حقيقة أن أدوات بكين السياسية لتحقيق النمو الاقتصادي تعاني من خلل جوهري، إذ لا تواجه الصين انهيارًا اقتصاديًا سريعًا، لكنها تعاني تراجعًا مستمرًا في قدرتها على تحفيز اقتصادها عبر أنظمتها المالية والضريبية.

فبعد سنوات من الاستثمارات الضخمة وتراكم الديون، أصبحت الصين غير قادرة على توليد طلب محلي مستدام من الأسر أو الشركات، ما دفعها إلى الاعتماد بشكل متزايد على الصادرات لتحقيق النمو.

وخلال العام الماضي، ورغم الحرب التجارية التي شنتها إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب على الصين وعدد من دول العالم، حققت بكين أكبر فائض تجاري في تاريخها بلغ 1.2 تريليون دولار، من خلال صادرات وصلت قيمتها إلى 3.8 تريليون دولار، بزيادة سنوية بلغت 5.5%.

في المقابل، تشهد قطاعات أخرى من الاقتصاد الصيني تباطؤًا ملحوظًا منذ عام 2022، وسط أزمة قطاع العقارات والقيود التي فرضتها بكين خلال جائحة فيروس كورونا المستجد عام 2020.

وأصبح ضعف الطلب المحلي في الصين عاملًا رئيسيًا وراء قوة صادراتها، إذ يدفع الشركات إلى تصريف فائض الإنتاج في الأسواق الخارجية بأسعار منخفضة.

كما أدى تباطؤ النمو الاقتصادي إلى انخفاض حصة الصين من الناتج المحلي الإجمالي العالمي، بعدما بلغت ذروتها عام 2021 عند 18.5%، لتتراجع إلى 16.7% وفق أحدث البيانات الرسمية.

في المقابل، ارتفعت حصة الولايات المتحدة من الاقتصاد العالمي إلى 26% حاليًا، مقارنة بـ24% عام 2021، ما يعني أن تجاوز الصين للولايات المتحدة كأكبر اقتصاد عالمي خلال العقد المقبل بات أقل احتمالًا، مع إمكانية اتساع الفجوة بين البلدين لمصلحة واشنطن.

ويقول رايت، مؤلف كتاب "الصين المنهارة: كيف تحطمت المعجزة الاقتصادية وماذا يعني ذلك للعالم"، إن الولايات المتحدة لم تعد تواجه منافسة اقتصادية وجودية طويلة الأمد مع الصين، مشيرًا إلى أن موقف بكين الاستراتيجي أصبح أضعف بكثير.

وأضاف أن الصين تحتاج للحفاظ على النمو إلى إبقاء أسواق صادراتها مفتوحة، وهو ما يفسر جزءًا من تحركاتها الدبلوماسية خلال العامين الماضيين مع إدارة ترامب والقادة الأوروبيين.

لكن تداعيات ضعف نمو الصادرات أصبحت أكثر خطورة على بكين، إذ تشمل الانكماش المحلي، وارتفاع ديون الشركات، وضعف سعر الصرف، وخروج رأس المال، وزيادة المخاطر المالية.

ويشير رايت إلى أن هذه الضغوط قد تقلص قدرة الصين على مواصلة تحديث جيشها والحفاظ على وتيرة الابتكار التكنولوجي، بسبب تراجع الموارد المالية المتاحة للحكومة.

في المقابل، لا تزال القاعدة الصناعية الضخمة للصين تمنحها سيطرة على نقاط مهمة في سلاسل التوريد العالمية، خصوصًا في بعض المعادن والمواد الوسيطة.

ويرى أن ضعف الاقتصاد الصيني قد يزيد من خطورة هذا النفوذ، إذ إن انخفاض أسعار الصادرات قد يدفع الشركات الصينية إلى التوسع أكثر في الأسواق الخارجية، ما قد يؤدي إلى إضعاف القواعد الصناعية في الولايات المتحدة وحلفائها.

ويحذر من أن فقدان الدول لقدراتها الصناعية الأساسية قد يمنح بكين فرصة لاستخدام سلاسل التوريد كسلاح مستقبلي، عبر توسيع قيود التصدير لتشمل مكونات صناعية وسلعًا استهلاكية.

في المقابل، يرى رايت أن الغرب يمتلك فرصة لتحويل نقاط قوة الصين إلى نقاط ضعف، عبر تقليل الاعتماد على بكين، وسحب الاستثمارات منها، وضخ استثمارات جديدة في الصناعات المحلية.

ويعتقد أن استعادة المرونة الصناعية الغربية من خلال سياسات تجارية فعالة واستثمارات ضخمة قد تضع الصين أمام ضغوط كبيرة، خصوصًا مع ضعف الطلب الداخلي واعتمادها المتزايد على الأسواق الخارجية.

كما يشير إلى أن تباطؤ الاقتصاد الصيني وانهيار قطاع العقارات تسببا في انخفاض حاد بالإيرادات الضريبية، إذ بلغت الإيرادات الضريبية وغير الضريبية مجتمعة 15.4% فقط من الناتج المحلي الإجمالي للصين خلال العام الماضي، وهو مستوى أقل من جميع دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية.

وأضاف أن العجز المالي السنوي للصين يتراوح بين 9 و10% من الناتج المحلي الإجمالي، ما يحد من قدرة بكين على ضخ مزيد من الأموال في الاقتصاد، ويجعل الاعتماد على الأسواق الخارجية خيارًا شبه وحيد للحفاظ على النمو.

وفي المقابل، خسرت إدارة ترامب نفوذًا مهمًا في مفاوضاتها التجارية الأخيرة مع الصين، بعدما ركزت على تأمين الإمدادات بدلًا من مواجهة تهديدات بكين بشأن المعادن الأرضية النادرة.

ويرى رايت أن الولايات المتحدة بحاجة إلى قيادة حلفائها في مفاوضات طويلة الأمد مع الصين، تقابل فيها القيود الصينية على صادرات المعادن بقيود غربية تستهدف قطاعات رئيسية مثل الآلات والروبوتات الصناعية والمواد الكيميائية والسفن.

ويخلص إلى أن التباطؤ الاقتصادي الصيني غيّر طبيعة المنافسة بين بكين وواشنطن، إذ أصبحت التهديدات الصينية، بحسب رأيه، أكثر قابلية للاحتواء والردع، بعدما أضعف التدهور المالي والضريبي قدرة الصين على تنفيذ خططها الاقتصادية والصناعية طويلة الأمد.

الكلمات الدالة

الأكثر قراءة

واشنطن وطهران إلى حافة المواجهة الكبرى الجيش يواكب عودة أهالي زوطر ويؤمّن مقومات الاستقرار