اشترك مجانا بقناة الديار على يوتيوب

تواجه صفقة الهند لشراء 114 مقاتلة من طراز "رافال" الفرنسية مرحلة تفاوضية معقدة، بعدما تحولت قضية الوصول إلى برمجيات الطائرة والسيادة التشغيلية إلى العقبة الرئيسية أمام إتمام الاتفاق، في خلاف يتجاوز الجوانب المالية أو جداول التسليم ليصل إلى جوهر التحكم في قدرات المقاتلة المستقبلية.

وتسعى نيودلهي للحصول على صلاحيات أوسع للوصول إلى البنية البرمجية للطائرة التي تنتجها شركة "داسو للطيران"، بما يسمح لها بدمج أنظمتها المحلية وتحديث قدرات الطائرة دون الاعتماد الكامل على الشركة الفرنسية في كل تعديل أو تطوير. إلا أن باريس تبدي تحفظًا على منح وصول غير مقيد إلى بعض الأنظمة الحساسة التي تعتبرها جزءًا من أسرارها الدفاعية. وتقدر قيمة الصفقة بأكثر من 35 مليار دولار، وتعد واحدة من أكبر عمليات شراء الطائرات المقاتلة في تاريخ الهند.  وكان من المتوقع إتمام الاتفاق خلال العام 2025، لكن استمرار الخلافات التقنية والتجارية أدى إلى تأجيل التوقيع النهائي، مع توقعات بإمكانية حسم العقد خلال عام 2026 أو النصف الأول من 2027.

البرمجيات تتحول إلى قلب الحروب الجوية الحديثة

لم تعد الطائرات المقاتلة الحديثة تعتمد فقط على قوة المحركات أو تصميم الهيكل والأسلحة، بل أصبحت البرمجيات عنصرًا أساسيًا في تحديد قدراتها القتالية. فأنظمة المهام الرقمية تتحكم في طريقة دمج بيانات أجهزة الاستشعار، ومعالجة معلومات الرادار، وإدارة أنظمة الحرب الإلكترونية، وربط الأسلحة بالمنصة الجوية. وترى الهند أن امتلاك قدر أكبر من السيطرة على هذه البرمجيات يمثل جزءًا من مفهوم "السيادة التشغيلية"، إذ يمنحها القدرة على تطوير الطائرة وإضافة أسلحة محلية أو تحديث أنظمة الحرب الإلكترونية وفق احتياجاتها العسكرية، دون انتظار موافقات أو تدخلات خارجية. وبحسب تقارير فرنسية، ترغب نيودلهي في الحصول على قدرة أكبر على تعديل أنظمة المهمة ودمج تقنياتها المحلية، خاصة مع توجهها لتعزيز الصناعات الدفاعية الوطنية ضمن سياسة "صنع في الهند".

في المقابل، ترفض فرنسا تقديم وصول كامل إلى البرمجيات المرتبطة بالأنظمة الأكثر حساسية في مقاتلة "رافال"، وعلى رأسها رادار "ثاليز RBE2 AESA" ووحدة معالجة البيانات المركزية "MDPU" ومنظومة الحرب الإلكترونية "SPECTRA"، وهي مكونات تعد أساسية لقدرة الطائرة على كشف التهديدات وإدارة المعارك الجوية.

مخاوف فرنسية بشأن التكنولوجيا الحساسة

تعتبر باريس أن بعض برمجيات "رافال" تمثل ملكية فكرية وتقنية استراتيجية لا يمكن نقلها بالكامل، خصوصًا في ظل تصاعد التنافس الجيوسياسي العالمي وتزايد أهمية حماية التقنيات العسكرية المتقدمة. كما تخشى فرنسا من أن يؤدي منح وصول واسع إلى أنظمة التحكم البرمجية إلى زيادة مخاطر تسرب التكنولوجيا، خاصة مع استمرار امتلاك الهند لعلاقات دفاعية طويلة مع روسيا وتشغيلها عددًا كبيرًا من المعدات الروسية الصنع. ورغم أن الهند عملت خلال السنوات الأخيرة على تنويع مصادر تسليحها وتقليل اعتمادها على موسكو، فإن وجود منظومات روسية داخل القوات المسلحة الهندية لا يزال عاملًا حاضرًا في حسابات الدول الغربية عند التعامل مع التقنيات العسكرية الحساسة.

وتشير التقارير إلى أن فرنسا مستعدة لمساعدة الهند في دمج أسلحتها المحلية على مقاتلات "رافال"، لكنها تفضل أن تبقى عمليات الدمج والاختبار تحت إشراف "داسو للطيران"، بدلًا من منح نيودلهي وصولًا مباشرًا إلى البرمجيات الأساسية. تأتي مسألة البرمجيات ضمن استراتيجية هندية أوسع تهدف إلى بناء قدرة دفاعية أكثر استقلالية. فقد استثمرت نيودلهي خلال السنوات الماضية في تطوير صواريخ وأنظمة حرب إلكترونية وتقنيات جوية محلية، وتسعى إلى دمج هذه القدرات في منصاتها العسكرية. ومن بين الأنظمة التي تخطط الهند لدمجها صاروخ "براهموس" الأسرع من الصوت، الذي طورته بالشراكة مع روسيا، إضافة إلى أسلحة وأنظمة مستقبلية محلية.

وترى القوات الجوية الهندية أن السيطرة على البرمجيات ستمنحها مرونة أكبر في تطوير قدرات الطائرة خلال العقود المقبلة، خاصة مع تغير طبيعة الحروب التي أصبحت تعتمد بشكل متزايد على الشبكات الرقمية والذكاء الاصطناعي ودمج البيانات بين مختلف المنصات العسكرية.

أزمة نقص المقاتلات الهندية

تكتسب صفقة الـ114 مقاتلة أهمية خاصة بسبب التحديات التي تواجه القوات الجوية الهندية، التي تعمل بأقل من العدد المستهدف من أسراب المقاتلات. إذ تحتاج نيودلهي إلى تعزيز قدراتها الجوية في ظل خروج مقاتلات قديمة مثل "ميغ-21" من الخدمة، وتأخر برامج الطائرات المحلية مثل "LCA Mk1A" و"LCA Mk2" و"AMCA". وبموجب المقترح الحالي، من المتوقع أن تحصل الهند على 18 طائرة جاهزة من فرنسا، بينما يتم تصنيع وتجميع العدد المتبقي داخل الهند عبر شراكات صناعية محلية، بما يتماشى مع أهداف نقل التكنولوجيا وتعزيز التصنيع الدفاعي الوطني.

وفي حال إتمام الصفقة، سيرتفع عدد مقاتلات "رافال" العاملة لدى الهند إلى نحو 176 طائرة، بعد احتساب 36 مقاتلة تابعة للقوات الجوية الهندية و26 نسخة بحرية مخصصة لحاملات الطائرات.

رافال تتفوق بعد تراجع المنافسة الدولية

بدأ برنامج شراء 114 مقاتلة ضمن مشروع "MRFA" العام 2018، وشهد منافسة واسعة ضمت مقاتلات أوروبية وأمريكية وروسية، من بينها "يوروفايتر تايفون"، و"غريبن"، و"ميغ-35"، و"سو-35"، و"إف-15EX"، و"إف-21". لكن التطورات الجيوسياسية، خصوصًا الحرب الروسية الأوكرانية والعقوبات الغربية على موسكو، أدت إلى تراجع جاذبية الخيارات الروسية، بينما أصبح إدخال مقاتلة جديدة بالكامل تحديًا لوجستيًا للقوات الجوية الهندية التي تشغل بالفعل أسطولًا متنوعًا.

في المقابل، تمتلك "رافال" ميزة مهمة تتمثل في دخولها الخدمة بالفعل داخل القوات الجوية الهندية، مع وجود بنية تدريب وصيانة وإمداد قائمة، كما عزز اختيار البحرية الهندية للطائرة مكانتها كخيار استراتيجي طويل الأمد. ولا تقتصر أزمة البرمجيات على الهند فقط، إذ أشارت تقارير إلى أن دولًا أخرى اشترت "رافال"، بينها الإمارات، واجهت مطالب مشابهة بشأن توسيع الوصول إلى أنظمة الطائرة، في وقت تتمسك فيه فرنسا بالحفاظ على سيطرتها على البرمجيات الحساسة.

وبذلك أصبحت معركة "السيادة البرمجية" أحد أبرز ملفات صفقات الطائرات المقاتلة الحديثة، حيث لم تعد الدول تتنافس فقط على امتلاك الطائرة، بل على امتلاك القدرة على تطويرها والتحكم في مستقبلها القتالي.

الأكثر قراءة

شربل زوي يوقّع إطلالة هيفاء وهبي في بيروت…تصميم يجسّد الفخامة والحرفية الراقية