اشترك مجانا بقناة الديار على يوتيوب

تكشف صور أقمار صناعية حديثة أن الصين أنشأت شبكة واسعة من النماذج العسكرية الوهمية التي تحاكي سفنًا حربية أمريكية، وطائرات مقاتلة، وقواعد بحرية، ومواقع حكومية في تايوان، في إطار تدريبات تهدف إلى اختبار قدرات الصواريخ بعيدة المدى وتطوير خطط عسكرية لأي مواجهة محتملة في منطقة المحيطين الهندي والهادئ.

وتشير التحليلات إلى أن بكين لا تكتفي ببناء أهداف تدريبية تقليدية، بل تعمل على إنشاء نسخ دقيقة من منشآت عسكرية وسياسية تابعة لخصوم محتملين، بما يسمح للقوات الصينية ومهندسي الأسلحة بمحاكاة عمليات استهداف حقيقية، خصوصًا في سيناريو اندلاع صراع للسيطرة على تايوان، التي تعد أولوية استراتيجية للرئيس الصيني شي جين بينغ، وفق مجلة بيزنيس إنسايدر".

وبحسب خبراء في تحليل صور الأقمار الصناعية، فإن مستوى الدقة في تصميم هذه النماذج يعكس تركيزًا مباشرًا على خصوم محددين، وليس مجرد تطوير عام لقدرات التدريب العسكري. وقال داميان سيمون، الباحث في مجال الاستخبارات الجغرافية لدى شركة "ذا إنتل لاب"، إن طبيعة النماذج التي بنتها الصين تشير إلى "تركيز واضح للغاية على خصوم محتملين"، موضحًا أن هذه المنشآت تختلف عن ميادين التدريب التقليدية التي تستخدمها الجيوش لاختبار قدراتها بشكل عام.

أظهرت صور الأقمار الصناعية إنشاء الصين نموذجًا بالحجم الطبيعي لمدمرة أميركية من فئة "أرلي بيرك" المزودة بالصواريخ الموجهة، داخل منطقة صحراوية نائية، بهدف استخدامها كهدف لاختبار الأسلحة المضادة للسفن. كما أنشأت بكين خطوط سكك حديدية تمتد لمسافات طويلة تسمح بتحريك نماذج السفن الوهمية لمحاكاة ظروف استهداف أكثر واقعية، بما يمنح القوات الصينية فرصة لاختبار دقة الصواريخ في مواجهة أهداف متحركة.

وتُعد مدمرات "أرلي بيرك" من أهم مكونات القوة البحرية الأميركية، حيث تتمركز عشر سفن من هذه الفئة بشكل دائم في قاعدة يوكوسوكا البحرية باليابان، وهي واحدة من أهم القواعد الأميركية في المنطقة.

كما كشفت صور الأقمار الصناعية عن بناء نسخة مصغرة من قاعدة يوكوسوكا البحرية في صحراء غوبي الصينية، وهي القاعدة التي يُرجح أن تلعب دورًا محوريًا في أي تدخل أمريكي محتمل للدفاع عن تايوان.

وقال لو لي شيه، الضابط السابق في البحرية التايوانية، إن اختيار قاعدة يوكوسوكا كنموذج للتدريب يعكس إدراك الصين لأهميتها، موضحًا أن بكين تستعد لاحتمال استهداف منشآت أمريكية في اليابان ضمن أي مواجهة حول تايوان. يرى خبراء أن هذه النماذج قد تكون جزءًا من برنامج لاختبار مجموعة واسعة من الأسلحة الصينية، بينها صواريخ مضادة للسفن تفوق سرعة الصوت مثل "YJ-21" و"YJ-17"، إضافة إلى الصواريخ الباليستية من طراز "DF-27"، التي تمتلك قدرات بعيدة المدى.

وتشير الأضرار التي ظهرت على بعض النماذج، بما فيها نماذج السفن والقواعد البحرية، إلى أن الصين أجرت بالفعل اختبارات إطلاق صواريخ على هذه الأهداف. وقال سيمون إن هذه الاختبارات لا تبدو مجرد تدريبات قصيرة المدى، بل تشير إلى قدرة حقيقية على تنفيذ ضربات بعيدة المدى، موضحًا أن إصابة أهداف مشابهة من مسافات كبيرة تعكس تطورًا في قدرات الاستهداف الصاروخي الصينية.

كما بنت الصين نماذج تحاكي قواعد جوية تايوانية، من بينها قاعدة جوية كبرى تستخدم أيضًا كمطار مدني في مدينة تايتشونغ وسط تايوان، حيث يُعتقد أنها تستخدم لاختبار سيناريوهات القصف الجوي والهجمات الصاروخية. ولم تقتصر الاستعدادات الصينية على الأهداف العسكرية، إذ كشفت الصور عن بناء نسخ طبق الأصل من مبانٍ حكومية رئيسية في العاصمة التايوانية تايبيه، بينها مكتب الرئاسة ووزارات حكومية ومؤسسات سيادية.

وتُظهر صور الأقمار الصناعية وجود نماذج تحاكي منطقة "بوآي" وسط تايبيه، حيث تتركز المؤسسات الحكومية الرئيسية. ويعتقد خبراء أن هذه المنشآت صُممت لتدريب القوات البرية الصينية على سيناريوهات اقتحام العاصمة والسيطرة على مراكز القرار.

وقال شون أوكونور، كبير محللي صور الأقمار الصناعية في مؤسسة "جينز"، إن الصين تقوم بإنشاء نسخ مطابقة للمواقع المستهدفة بهدف منح قواتها القدرة على التدريب في بيئة تشبه الواقع، "كما لو كانوا يتحركون داخل تايبيه نفسها". وكان الجيش الصيني قد نشر في العام 2015 مقطعًا تدريبيًا يظهر جنودًا وهم يتدربون أمام نموذج لمبنى الرئاسة التايواني، بعد فترة قصيرة من إنشاء أول نسخة طبق الأصل منه. يرى خبراء أن هذه النماذج لا تخدم الأغراض التدريبية فقط، بل تحمل أيضًا رسائل ردع موجهة إلى الولايات المتحدة واليابان وتايوان.

وقال توماس شوغارت، الباحث في مركز الأمن الأمريكي الجديد والقائد السابق لغواصة في البحرية الأمريكية، إن هذه المنشآت تمثل "بروفة" محتملة لعمليات مستقبلية، مضيفًا أنها توجه رسالة واضحة مفادها أن الصين تستعد لضرب القواعد الأمريكية إذا تدخلت واشنطن، وأنها تتدرب على السيطرة على العاصمة التايوانية.

وتأتي هذه التطورات في ظل تصاعد المخاوف الدولية من احتمال اندلاع مواجهة عسكرية حول تايوان، إذ عززت دول عديدة في منطقة المحيطين الهندي والهادئ إنفاقها الدفاعي ووسعت إنتاج الأسلحة، مستندة إلى القلق من التوسع العسكري الصيني.

وكان وزير الدفاع الأميركي بيت هيغسيث قد أكد في وقت سابق أن هناك "قلقًا مبررًا" بشأن التوسع العسكري الصيني المتسارع وتوسيع أنشطتها العسكرية داخل المنطقة وخارجها.

وبينما تؤكد بكين أن تطوير قدراتها العسكرية يهدف إلى حماية مصالحها الوطنية، فإن اتساع نطاق التدريبات وبناء نماذج تحاكي منشآت أمريكية وتايوانية يعكس استعدادًا متزايدًا لسيناريوهات صراع محتملة في واحدة من أكثر مناطق العالم حساسية.

الكلمات الدالة

الأكثر قراءة

شربل زوي يوقّع إطلالة هيفاء وهبي في بيروت…تصميم يجسّد الفخامة والحرفية الراقية