اشترك مجانا بقناة الديار على يوتيوب

تتفاعل في "إسرائيل" تداعيات قرار إقالة قائد المنطقة الوسطى في الجيش الإسرائيلي، في خطوة أعادت إلى الواجهة الخلاف المتصاعد بين القيادة السياسية والمؤسسة العسكرية، وسط اتهامات للحكومة بالتدخل المتزايد في القرارات العسكرية ومحاولات إخضاع الجيش لاعتبارات سياسية وحزبية.

وأعلن وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس، إقالة قائد المنطقة الوسطى في الجيش اللواء آفي بلوط، فيما رفض رئيس الأركان إيال زامير هذا القرار، وأعلن رفض أي تعيينات جديدة في الجيش قبل مطلع العام الجاري، بعد إجراء انتخابات الكنيست المقبلة.

وتأتي هذه الأزمة في وقت تواجه فيه إسرائيل تحديات أمنية متزامنة على أكثر من جبهة، بينما تتزايد المؤشرات على اتساع فجوة الثقة بين المستوى السياسي وقيادة الجيش، ما يفاقم المخاوف حول آلية اتخاذ القرار الأمني، وحدود استقلالية المؤسسة العسكرية التي طالما شكلت أحد مرتكزات النظام الإسرائيلي.

صراع القرار

يرى المحلل السياسي مراد حرفوش أن إقالة قائد المنطقة الوسطى ليست حادثة منفصلة، بل تمثل امتدادًا لأزمة هيكلية تعصف بالعلاقة بين المستويين السياسي والعسكري منذ اندلاع الحرب على قطاع غزة.

ويقول حرفوش لـ"إرم نيوز" إن "الخلافات لم تعد تقتصر على إدارة العمليات العسكرية، وإنما امتدت إلى تحديد أهداف الحرب وجدوى استمرارها، في ظل انتقادات علنية صدرت عن مسؤولين عسكريين بارزين اتهموا رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو بإدارة الحرب وفق اعتبارات سياسية وشخصية أكثر من كونها أمنية".

ويضيف أن "الإقالة تعكس توجهًا متصاعدًا لدى القيادة السياسية لإحكام السيطرة على المؤسسة العسكرية عبر استبدال القيادات التي تختلف معها في التقديرات والرؤى".

ويشير إلى أن "إسرائيل" تشهد تحولًا بنيويًا يتمثل في "تسييس التعيينات والإقالات العسكرية"، وهو ما يهدد استقلالية العقيدة الأمنية ويعمق الفجوة بين المستويين السياسي والعسكري. 

ولا يقتصر الخلاف، بحسب حرفوش، على مستويات القيادة العليا، بل بدأت انعكاساته تظهر داخل الجيش نفسه، مستشهدًا بحادثة التمرد التي شهدتها كتيبة "صبّار" في قاعدة "سديه تيمان"، والتي اعتبرها مؤشرًا على حالة الإنهاك والتوتر التي تعيشها المؤسسة العسكرية.

ويشير إلى أن استمرار الحرب على جبهات متعددة، وتمديد الخدمة العسكرية الإلزامية والاحتياطية، أسهما في خلق حالة واسعة من الاستنزاف البدني والمعنوي بين الجنود، محذرًا من أن استمرار القرارات ذات الطابع السياسي والحزبي سيؤدي إلى تعميق الانقسامات داخل المنظومة الإسرائيلية، بما يشمل المؤسسات السياسية والعسكرية والأمنية.

ويقول: "الحكومة الحالية تسعى إلى إعادة رسم العلاقة التقليدية بين المستويين السياسي والعسكري، عبر منح القيادة السياسية اليد العليا في صناعة القرار الأمني، على حساب استقلالية التقديرات العسكرية والاستخباراتية".

ويؤكد أن هذا المسار يتقاطع مع الصراع القائم بين الحكومة من جهة، والسلطة القضائية والمؤسستين العسكرية والأمنية من جهة أخرى، بشأن حدود الصلاحيات وآليات الحكم، متوقعًا أن تتحول هذه الملفات إلى محور رئيسي في الانتخابات المقبلة، خاصة إذا نجحت المعارضة في تشكيل حكومة جديدة قد تعمل على إلغاء عدد من التشريعات والقرارات التي تبناها الائتلاف الحالي. 

أزمة أعمق

من جانبه، يرى الخبير في الشأن الإسرائيلي محمد هلسة، أن الأزمة ترتبط أيضًا بالتصعيد المستمر من جانب وزراء في الحكومة، وفي مقدمتهم إيتمار بن غفير وبتسلئيل سموتريتش، ضد قيادة الجيش، وما رافق ذلك من حملات تشكيك بشرعية المؤسسة العسكرية وانتقادات متكررة لرؤساء الأركان، الأمر الذي انعكس على سلوك الجنود ومستوى الانضباط داخل الوحدات القتالية.

ويقول لـ"إرم نيوز": "أخطر ما تكشفه التطورات الأخيرة هو انتقال الاستقطاب السياسي إلى داخل الجيش، بعدما كان يُنظر إليه تاريخيًا باعتباره المؤسسة الأكثر تماسكًا وإجماعًا داخل "إسرائيل"".

ويشير إلى أن تصاعد نفوذ التيارات اليمينية والدينية داخل الوحدات القتالية، إلى جانب التدخل السياسي المتزايد في قرارات الجيش، يهددان بتحويل المؤسسة العسكرية إلى ساحة صراع سياسي، وهو ما دفع شخصيات عسكرية إسرائيلية إلى التحذير من خطر تفكك الجيش وتحوله إلى "جيش نصف الشعب"، بعدما كان يمثل أحد أبرز رموز الوحدة الإسرائيلية.

ويشير إلى أن أزمة إقالة قائد المنطقة الوسطى تتجاوز كونها خلافًا إداريًا، لتكشف عن صراع متصاعد على النفوذ وصناعة القرار داخل إسرائيل، في ظل حرب مستمرة واستقطاب سياسي غير مسبوق.

ويقول: "بينما تسعى الحكومة إلى تعزيز هيمنتها على المؤسسة العسكرية، تبدو الأخيرة أمام اختبار صعب للحفاظ على استقلاليتها التقليدية، وسط مخاوف من أن يؤدي استمرار هذا المسار إلى مزيد من التصدع داخل منظومة الحكم والأمن، وانعكاسات مباشرة على قدرة "إسرائيل" في إدارة التحديات العسكرية والسياسية خلال المرحلة المقبلة". 



الأكثر قراءة

حتى لا تموت أميركا في الشرق الأوسط