اشترك مجانا بقناة الديار على يوتيوب

أعلنت قمة حلف شمال الأطلسي "الناتو" في أنقرة عن أكبر التزام مالي لدعم أوكرانيا منذ بداية الحرب، بعدما تعهد الحلفاء الأوروبيون وكندا بتقديم ما لا يقل عن 70 مليار يورو سنوياً، خلال عامي 2026 و2027، ليصل إجمالي الهدف إلى نحو 140 مليار يورو مخصصة للمساعدات العسكرية.

ويُنظر إلى هذا التعهد باعتباره محاولة أوروبية لتحمل جزء أكبر من عبء دعم كييف، خاصة بعد تراجع الدور الأميركي المباشر في تمويل وتسليح أوكرانيا، بحسب موقع "modern diplomacy".

لكن ذلك التعهد يواجه تساؤلات حول قدرة الدول الأوروبية على توفير الأموال فعلياً، وما إذا كان الرقم المعلن يعكس تمويلاً مضموناً أم مجرد التزام سياسي طويل الأمد.


تعهد تاريخي أم رقم غير مكتمل؟

قدمت قمة أنقرة الرسالة التي طالما طالبت بها واشنطن، وهي أن أوروبا باتت مستعدة لتحمل مسؤولية أكبر في أمن القارة ودعم أوكرانيا.

لكن خلف الرقم الضخم البالغ 140 مليار يورو، تظهر تحديات تتعلق بمصادر التمويل وآليات توزيع الأعباء بين الدول الأعضاء.

ويشمل الرقم برامج مساعدات ثنائية قائمة، إضافة إلى قرض الاتحاد الأوروبي لأوكرانيا بقيمة 90 مليار يورو يغطي عامي 2026 و2027، إلا أن مسؤولين مطلعين على الملف يؤكدون أن الالتزامات الحالية لا تغطي كامل الهدف المعلن، ما يعني الحاجة إلى تمويل إضافي لم تحدد القمة آلياته بعد.

ولم تحدد دول الناتو كيفية تقسيم الفجوة المالية المتبقية، ما يترك الملف أمام مفاوضات جديدة داخل مؤسسات الحلف والاتحاد الأوروبي.

ويرى خبراء أن هناك فرقاً بين إعلان التزام سياسي وبين توفير أموال مخصصة ومضمونة، خصوصاً في ظل الضغوط الاقتصادية التي تواجه عدداً من الحكومات الأوروبية.


عبء التمويل

جاء التعهد في وقت خفضت فيه إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب المساعدات العسكرية الأميركية المباشرة لأوكرانيا، واستبدلتها بآلية "قائمة متطلبات أوكرانيا ذات الأولوية" (PURL)، التي تتيح للدول الأوروبية وكندا تمويل شراء معدات أميركية الصنع لصالح كييف.

وبحلول آذار 2026، التزمت دول الناتو وشركاؤها بأكثر من 4.8 مليار دولار ضمن هذه الآلية، قبل أن يرتفع الرقم إلى أكثر من 5.5 مليار دولار موزعة على 26 دولة مساهمة قبل قمة أنقرة.

ويرى مسؤولو الناتو أن نجاح هذه الآلية يمثل تحولاً مهماً، لأنها أظهرت قدرة الحلفاء الأوروبيين على تنسيق مشتريات عسكرية مشتركة بعيداً عن الاعتماد الكامل على التمويل الأميركي.


خلافات سياسية

رغم أهمية التعهد المالي، انعقدت القمة وسط خلافات سياسية عميقة داخل التحالف.

فخلال اجتماعات أنقرة، انتقد الرئيس ترامب إسبانيا بسبب مستوى إنفاقها الدفاعي، ولوّح بإجراءات تجارية ضدها، كما جدد مطالبته بشأن غرينلاند التابعة للدنمارك، ما أثار ردود فعل أوروبية تؤكد أن مستقبل الجزيرة يقرره سكانها والدنماركيون.

كما أعلن ترامب انتهاء وقف إطلاق النار مع إيران، وهو موقف أثار تحفظات لدى بعض الحلفاء الأوروبيين الذين كانوا يسعون إلى إظهار وحدة أكبر داخل الناتو.

ويرى محللون أن قدرة الحلف على الحفاظ على تدفق التمويل لأوكرانيا ستعتمد بدرجة كبيرة على قدرة أعضائه على إدارة هذه الخلافات دون أن تتحول إلى أزمة سياسية مفتوحة.


مكاسب حقيقية

ورغم الخلافات، حققت قمة أنقرة بعض النتائج التي يعتبرها مسؤولون غربيون مهمة.

ومن أبرزها احتمال السماح لأوكرانيا بإنتاج أنظمة صواريخ "باتريوت" محلياً، وهو ما قد يعزز قدراتها الدفاعية على المدى الطويل ويقلل اعتمادها على الإمدادات الخارجية.

وشهدت العلاقات الأميركية التركية تحسناً مع التحرك نحو تخفيف بعض العقوبات واستئناف التعاون بشأن مقاتلات "إف-35"، بعد سنوات من التوتر بسبب شراء أنقرة منظومات الدفاع الروسية "إس-400".

إضافة إلى ذلك، أثبت برنامج (PURL) قدرة الناتو على جمع مساهمات من عشرات الدول لضمان استمرار تدفق الأسلحة إلى أوكرانيا.

3 سيناريوهات

يتوقع خبراء أن تواصل أوروبا تمويل برامج دعم أوكرانيا الحالية، مع سد أي نقص عبر مساهمات ثنائية إضافية، دون وجود آلية موحدة لسد الفجوة بالكامل.

وفي هذا السيناريو، تستمر إمدادات الأسلحة والدفاع الجوي خلال 2026، لكن قد تبقى بعض الشكوك بشأن تمويل عام 2027.

وقد تتحول اتفاقيات التعاون الصناعي مع الولايات المتحدة، مثل إنتاج أنظمة باتريوت وتوسيع التعاون الدفاعي مع تركيا، إلى نموذج جديد يقلل اعتماد أوروبا على واشنطن.

ويمكن أن يؤدي تسريع الإنتاج الدفاعي الأوروبي إلى تقليص الفجوة التمويلية وتوفير إمدادات أكثر استدامة لأوكرانيا.

أما في حال تصاعد الخلافات بين واشنطن وبعض العواصم الأوروبية، أو تغيرت الأولويات السياسية داخل الدول المانحة، فقد يتحول الجزء غير الممول من تعهد الـ140 مليار يورو إلى فجوة حقيقية تؤثر على حجم الدعم الذي يصل إلى كييف.


الاختبار الحقيقي

رغم أن الرقم البالغ 140 مليار يورو تصدر المشهد، فإن المؤشر الأهم سيكون قدرة الناتو على تحويل التعهد إلى أموال ومعدات تصل فعلياً إلى أوكرانيا في المواعيد المحددة.

ويبقى السؤال الأساسي أمام الحلف: هل تستطيع أوروبا الانتقال من مرحلة إعلان الالتزامات إلى مرحلة تحمل العبء المالي والعسكري فعلياً، في وقت تتزايد فيه التحديات الأمنية والخلافات السياسية داخل التحالف؟