اشترك مجانا بقناة الديار على يوتيوب

دخلت العلاقات بين موريتانيا ومالي مرحلة جديدة من التوتر، بعد مطالبة نواكشوط السلطات المالية بالإفراج الفوري عن عشرات المواطنين الموريتانيين المحتجزين داخل الأراضي المالية منذ أيام، عقب توقيفهم أثناء عبورهم البلاد قادمين من ساحل العاج، في خطوة أثارت قلقاً رسمياً وشعبياً في موريتانيا.

وبينما تحاول السلطات احتواء تداعيات الملف عبر القنوات الدبلوماسية، يعيد توقيف المواطنين الموريتانيين إلى الواجهة هشاشة الوضع على الحدود المشتركة، وتعقيدات العلاقة بين البلدين في ظل التوترات الأمنية المتصاعدة في منطقة الساحل، ليطرح السؤال مجدداً حول قدرة نواكشوط وباماكو على إدارة الملفات الحساسة بعيداً عن التصعيد.

وأكدت وزارة الشؤون الخارجية والتعاون الإفريقي والموريتانيين في الخارج أن رئيس الجمهورية أعطى تعليماته لوزارة الخارجية ووزارة الدفاع والأجهزة الأمنية بالشروع فورًا في التنسيق مع السلطات المالية، للوقوف على ملابسات توقيف المواطنين الموريتانيين والعمل على الإفراج عنهم وإعادتهم سالمين إلى البلاد. وأوضحت الوزارة أن القطاعات المعنية تتابع القضية بشكل مباشر، بما يضمن حماية مصالح المواطنين وتسريع معالجة الملف.

ويعكس هذا البيان حرص السلطات الموريتانية على معالجة القضية عبر القنوات الرسمية، بعيدًا عن أي تصعيد إعلامي أو سياسي قد يؤثر على مسار الاتصالات الثنائية.

وحسب روايات ذوي المحتجزين، فإن المجموعة كانت تمارس التجارة في مدينة بواكي بساحل العاج، وانطلقت في طريق العودة إلى موريتانيا عبر مالي، وهو المسار التقليدي الذي يستخدمه كثير من التجار الموريتانيين العاملين في غرب إفريقيا.

وأكدت العائلات أن أفراد المجموعة دخلوا الأراضي المالية بصورة نظامية عبر معبر رسمي، ووصلوا إلى العاصمة باماكو، قبل أن يغادروها باتجاه الحدود الموريتانية، حيث أوقفتهم دورية تابعة للجيش المالي واقتادتهم إلى جهة مجهولة، دون إبلاغهم بأسباب التوقيف.

وطالب الأهالي السلطات الموريتانية بالتدخل العاجل لضمان سلامة أبنائهم وتأمين إطلاق سراحهم.

و حسب رئيس مركز ديلول للدراسات الاستراتيجية أحمدو ولد امبارك، فقد أُفرج عن 17 موريتانيًا، بينما لا يزال 21 آخرون رهن الاحتجاز، مؤكدًا أن الاتصالات الدبلوماسية مستمرة مع السلطات المالية.

وأشار إلى أن التسجيلات المتداولة أظهرت بعض المحتجزين وهم مقيدو الأيدي ومعصوبو الأعين، وهو ما قد يعكس، حسب رأيه، أن السلطات المالية تتعامل مع جزء من المجموعة باعتباره ملفًا أمنيًا أكثر تعقيدًا.

وأوضح أن الموقوفين لم يتم توقيفهم في منطقة قتال، ولا خلال مشاركتهم في أعمال مسلحة، وإنما بعد عبورهم نقطة حدودية رسمية واستكمال الإجراءات القانونية، قبل أن تتعطل مركباتهم داخل الأراضي المالية، فتوقفهم دورية عسكرية على بعد نحو 150 كيلومترًا من الحدود الموريتانية.


أزمة تتجاوز حادثًا منفردًا

تكتسب القضية بعدًا أوسع لأنها تأتي في سياق سلسلة من الحوادث التي طالت مواطنين موريتانيين داخل الأراضي المالية خلال الأعوام الأخيرة، سواء من التجار أو المنمين أو المنقبين عن الذهب. وفي آذار الماضي، أدانت الحكومة الموريتانية الاعتداءات المتكررة التي تستهدف المواطنين داخل مالي، بعد مقتل موريتانيين في حادثة وقعت داخل الأراضي المالية، كما جددت دعوتها إلى الالتزام بتعليمات السلطات بشأن التنقل والانتجاع في المناطق غير الآمنة.

وذكرت وزارة الداخلية الموريتانية كذلك بأنها أصدرت في وقت سابق تعميمًا يمنع الانتجاع داخل الأراضي المالية بسبب التدهور الأمني، داعية المواطنين إلى تجنب المناطق الخطرة.

معضلة الحدود المفتوحة

ويرى مراقبون لهذا الشأن أن خصوصية الحدود الموريتانية المالية تجعل التعامل مع مثل هذه الحوادث أكثر تعقيدًا.

فالعلاقات الاقتصادية والاجتماعية بين سكان ولايتي الحوضين في موريتانيا من جهة، والمناطق المالية المجاورة من جهة أخرى، تمتد منذ عقود، ويعتمد آلاف المواطنين على التجارة العابرة للحدود، والرعي الموسمي، والتنقل المستمر بين البلدين.

ولهذا يؤكد خبراء أن الاكتفاء بدعوات الامتناع عن السفر أو النشاط داخل مالي لا يمثل حلًا عمليًا، في ظل غياب بدائل اقتصادية حقيقية للمجتمعات الحدودية.


البعد القانوني

من الناحية القانونية، تؤكد اتفاقية فيينا لللاقات القنصلية لعام 1963 حق الدول في تقديم الحماية القنصلية لرعاياها المحتجزين في الخارج، بما يشمل متابعة أوضاعهم، والتواصل مع سلطات الدولة المضيفة، والتأكد من احترام الضمانات القانونية والإجرائية أثناء الاحتجاز.

كما أن قواعد القانون الدولي الإنساني والمعايير الدولية لحقوق الإنسان تفرض معاملة المحتجزين معاملة إنسانية، وتمكينهم من التواصل مع بعثاتهم الدبلوماسية وأسرهم وفق الإجراءات المعمول بها.


بين الأمن والسيادة وحرية التنقل

وتكشف هذه القضية عن معادلة شديدة الحساسية تواجهها جميع دول الساحل؛ فمالي تواجه تحديات أمنية معقدة تدفعها إلى تشديد إجراءاتها العسكرية، بينما يتمسك المواطنون الموريتانيون بحقهم في التنقل وممارسة أنشطتهم الاقتصادية التقليدية التي تمثل مصدر رزق لآلاف الأسر.

ومن هنا، فإن نجاح الاتصالات الجارية لن يقاس فقط بالإفراج عن المحتجزين، بل أيضًا بقدرة البلدين على تطوير آليات تنسيق أمنية وقنصلية أكثر فاعلية، تقلل من تكرار مثل هذه الحوادث، وتحافظ في الوقت نفسه على انسيابية الحركة عبر الحدود، التي ظلت لعقود شريانًا اقتصاديًا واجتماعيًا لا غنى عنه لسكان المنطقة.

الكلمات الدالة

الأكثر قراءة

لبنان بالانتظار: ما بعد انتخابات الكنيست والكونغرس قاسم يعلن انفتاحه على المفاوضات مع دمشق... وصمت سوري يقابله