اشترك مجانا بقناة الديار على يوتيوب

فتح الجيش الأميركي تحقيقاً دقيقاً بشأن ارتفاع عدد حالات الانتحار بين أفراد قسم الحرب السيبرانية خلال مدة شهر كامل من صيف العام الجاري، وهو أمر أثار قلقاً بالغاً لدى المشرعين والقادة العسكريين الأميركيين.

ويُعنى القسم "السرّي" التابع للجيش، بحماية أنظمة الحاسوب الأميركية واختراق أنظمة الخصوم الأجانب، بحسب وكالة "بلومبيرغ"، التي اعتبرت أن تلك الوفيات أعادت إلى الواجهة مخاوف المسؤولين القديمة بشأن الصحة النفسية لقراصنة الجيش، الذين شهدوا، خلال العام الماضي، زيادة كبيرة في أعباء عملهم بسبب النزاعات الخارجية.

وأقدم نحو 5 أشخاص ممن يعملون في قيادة الأمن السيبراني أو على صلة وثيقة بها على الانتحار، بين شهري حزيران وتموز الماضيين، بحسب مراسلات عسكرية داخلية ومصادر مطلعة تحدثت شريطة عدم الكشف عن هويتها.

وكان أحد الضحايا الرقيب الفني كيفن ستالينغز، وهو محلل استخبارات الشبكات الرقمية، حيثُ نبه أحد زملائه الشرطة إلى احتمال تعرض ستالينغز للخطر، لكن ستالينغز كان من المتعذر الوصول إليه لأكثر من 4 أيام، قبل أن تجده الشرطة جثة هامدة في شقته، الأمر الذي دفع الشرطة إلى فتح تحقيق موسع، علماً بأن دوافع هذه الانتحارات لا تزال غير واضحة من السجلات، وحتى بالنسبة لبعض الأشخاص المطلعين على المنتحرين.

وكان ستالينغز متمركزاً في فورت ميد بولاية ماريلاند، مقر قيادة الأمن السيبراني، وأقدم على الانتحار قبل شهر من بلوغه الـ37 من عمره.

ونشأ ستالينغز في عائلة عسكرية والتحق بالقوات الجوية فور تخرجه من مدرسة ثانوية في ولاية فرجينيا، وقضى ما يقارب عقدين من الزمن في الخدمة، كما سافر حول العالم وحصل على شهادة في تحليل الاستخبارات، ونال العديد من الأوسمة، وفقاً للسجلات العسكرية وأفراد عائلته.

ويعمل أفراد القيادة السيبرانية عادة بعيداً عن خطوط المواجهة المباشرة في الحرب، في أدوار سرية إلى حد كبير، وفي بعض الحالات يعانون من الأرق، وفقدان الذاكرة، والاجترار الفكري، وأمراض جسدية، وفقاً لإريك مياريس، عالم النفس والموظف السابق في وكالة الأمن القومي.

وأجرى مياريس دراسة، العام 2025، موّلها الجيش الأمريكي واستند فيها إلى مقابلات مع 50 من خبراء العمليات السيبرانية الأميركيين، لكن لم تنشر الدراسة لدواع أمنية.

وبحسب أحد المصادر المطلعين،  فإن التتابع السريع لحالات الوفاة دفع القيادة السيبرانية إلى ربطها بما يسمى "مجموعة انتحار"، التي يُعرّفها "البنتاغون" بأنها حالات انتحار تحدث بفواصل زمنية أقصر من المعتاد، ويلزم باتخاذ إجراءات محددة للتعامل معها.

وبحسب مسؤول حكومي ومصادر أخرى، فقد ازداد عبء العمل على قيادة الأمن السيبراني هذا العام بشكل كبير نتيجة عوامل عدة من بينها الحرب الأميركية على إيران ونزاعات خارجية أخرى، إضافة إلى السباق المحموم لاستخدام نماذج الذكاء الاصطناعي الجديدة والحماية منها، والتي تزداد براعة في اختراق أنظمة الحاسوب.

وواجهت القيادة "نقصاً مزمناً في الكوادر المؤهلة في الأدوار الوظيفية الرئيسة" منذ تأسيسها العام 2010، وفقاً لقانون تفويض الدفاع الوطني للعام 2023.

وتولى الجنرال جوشوا رود قيادة كل من الأمن السيبراني ووكالة الأمن القومي في شهر آذار الماضي، حيثُ راسل رود لجنتي الكونغرس المشرفتين على الجيش، موضحاً أن إحدى أهم أولويات القيادة غير الممولة هي إنفاق 11 مليون دولار لدراسة ومعالجة الصحة النفسية للعاملين في مجال الأمن السيبراني، بحسب "بلومبيرغ".

وقال متحدث باسم لجنة القوات المسلحة في مجلس الشيوخ إن اللجنة "تتواصل بشكل فعّال مع قيادة الفضاء الإلكتروني لمناقشة الموارد اللازمة"، مؤكداً أن اللجنة "ستواصل ممارسة رقابة صارمة".

وبيّن أن لجنة القوات المسلحة في مجلس النواب استفسرت من البنتاغون عن "ارتفاع حالات الانتحار" وتنتظر الرد، كما وصف الأمر بأنه "قضية بالغة الأهمية".

ونص قانون تفويض الدفاع الأخير على ضرورة وجود مستشارين في جميع مواقع قيادة الفضاء الإلكتروني لمعالجة الضغوط في العمل.

وفي قوة المهام الوطنية الإلكترونية، وهي وحدة نخبة تابعة لقيادة الفضاء الإلكتروني وتتضمن مهامها عالية السرعة تقديم الدعم المباشر للعمليات الخارجية للجيش الأمريكي، لاحظ الموظفون زيادة في الطلب على عملهم وانخفاضاً في الوقت اللازم لإنجازه، وفقاً لمصادر مطلعة.

وقالت المصادر، إن أشهراً من العمل لساعات طويلة تحت ضغط شديد قد فاقمت المخاوف الداخلية بشأن سلامة الموظفين، لافتين إلى أن بعض المتوفين كانوا يعملون ضمن هذه الوحدة.

وأبلغ رود موظفي قيادة الفضاء الإلكتروني بثلاث حالات انتحار خلال الأسبوعين السابقين في الـ22 منشهر حزيران الماضي، وفقاً لمسؤول مطلع.

وفي العام 2024، سجل الجيش الأميركي أكثر من 23 حالة وفاة لكل 100 ألف جندي، أي ما يقارب ضعف معدل الانتحار بين سكان الولايات المتحدة، وفقاً لأحدث تقرير صادر عن البنتاغون حول حالات الانتحار. 

ويشير التقرير إلى انتحار 4 أشخاص في "عمليات الفضاء الإلكتروني"، بالإضافة إلى 14 شخصاً في "استخبارات الإشارات - الحرب الإلكترونية"، وتشير السجلات العسكرية إلى أن بعض المنتحرين، مؤخراً، كانوا يعملون في كل من وكالة الأمن القومي وقيادة الفضاء الإلكتروني.

ولا يُعلن عن العدد الإجمالي لموظفي القيادة السيبرانية، على الرغم من أن القيادة صرّحت بأن فريقها الأساس يضم أكثر من 6 آلاف موظف، وتعد تفاصيل مهامهم سرية إلى حد كبير.

وكشفت دراسة أجراها البنتاغون في العام 2024 عن "تدهور الصحة النفسية والأداء الوظيفي" في قوة المهام الوطنية الإلكترونية، وعن وجود مشكلات نفسية خطيرة وفريدة من نوعها، وأوصت الدراسة بإنشاء فرق رعاية متخصصة في جميع أنحاء القوة، إلا أن التوصية لم تُنفذ بالكامل، وفقاً لمصدر مطلع.

ويقع مقر كل من القيادة السيبرانية ووكالة الأمن القومي في فورت ميد، حيث تتداخل قوى العمل فيهما بشكل كبير، وبحسب مصادر مطلعة، قد يتعرض أفراد هذه القوات لفترات طويلة من العمل المنعزل داخل مرافق آمنة بلا نوافذ.




الأكثر قراءة

ما هي المبادرة السورية تجاه «حزب الله»؟