التزود بالوقود في الفضاء.. سلاح جديد يشعل السباق بين واشنطن وبكين

التزود بالوقود في الفضاء.. سلاح جديد يشعل السباق بين واشنطن وبكين
A- A+

تتزايد التساؤلات حول مستقبل التنافس الفضائي، في ضوء المعلومات المتداولة عن عمليات صيانة الأقمار الصناعية الصينية في المدار، ولا سيما مع تحول تقنيات التزود بالوقود والخدمات المدارية إلى جزء من المنافسة بين القوى الكبرى.

ورغم ما توفره هذه التقنيات من فوائد مدنية، أبرزها إطالة عمر الأقمار الصناعية، فإن استخدامها يثير مخاوف على الصعيد العسكري، لما قد تتيحه من تعزيز القدرة على المناورة والاستمرارية في الفضاء.

وقالت صحيفة «ساوث تشاينا مورنينج بوست» إن باحثين صينيين يزعمون أن الصين نفذت عملية رائدة للتزود بالوقود في المدار لقمر صناعي للملاحة على ارتفاعات عالية. إلا أن بيانات تتبع مدارية غربية أثارت شكوكًا حول حدوث العملية بالفعل.

وبحسب دراسات أجراها مختبر استكشاف الفضاء العميق المدعوم من الدولة والأكاديمية الصينية للعلوم، نقلت المركبة الفضائية «شيجيان-25» نحو 142 كيلوغرامًا من الوقود إلى القمر الصناعي «بيدو-2 جي7» في فبراير/شباط 2025، ما أدى، وفق هذه الدراسات، إلى تمديد عمر القمر الصناعي التشغيلي ثماني سنوات.

في المقابل، أشار عالم الفيزياء الفلكية المستقل جوناثان ماكدويل إلى أن سجلات التتبع الغربية أظهرت بقاء القمرين منفصلين بنحو عشر درجات طولية في المدار الثابت بالنسبة إلى الأرض خلال أوائل العام 2025. وخلص إلى أن معدلات الانجراف تجعل عملية الالتحام غير المكتشفة غير مرجحة من الناحية الفيزيائية، إلا إذا كانت شبكات التتبع قد أخطأت في تحديد الأهداف.


من الصيانة إلى المناورة العسكرية

رغم عدم حسم ما إذا كانت عملية التزود بالوقود قد تمت بالفعل، فإن تحققها يحمل دلالات تكتيكية مهمة.

ويشير بول شيمانسكي وكالوجيرو بوناسيا إلى أن الأقمار الصناعية التي يبلغ عمرها التشغيلي 15 عامًا تحمل كمية محدودة من الوقود تكفي للحفاظ على موقعها المداري وإجراء مناورات الخروج من المدار في نهاية عمرها.

وبالتالي، فإن تنفيذ عمليات حرق كبيرة للمراوغة يستنزف هذا الاحتياطي بسرعة. ويؤدي ذلك إلى تقليص العمر التشغيلي للقمر الصناعي، ما يسمح للخصم، حتى من خلال محاكاة اعتراض ثم التراجع، بإجبار الطرف الآخر على استهلاك جزء من موارده التشغيلية.

أما التزود بالوقود في المدار، فيزيل جزءًا من هذه القيود، ويتيح للمركبات إجراء تعديلات مدارية متكررة وغير متوقعة.

ووفق ورقة بحثية لشركة «نوفاسبيس»، يمكن لهذه المرونة أن تساعد الأصول الدفاعية على إعادة التموضع، وتنفيذ عمليات تفتيش قريبة المدى، ومواجهة التهديدات المدارية، مع الحفاظ على جاهزيتها لفترات أطول.

كما تشير الورقة إلى أن تجديد الوقود يمكن أن يوفر تغطية مستمرة خلال الاشتباكات عالية الوتيرة، بما يسمح للمركبات الفضائية بإعادة ضبط مواقعها واستيعاب مهام قتالية والحفاظ على روابط الاستشعار.


الصين وتكتيكات المنطقة الرمادية

ترتبط هذه التطورات ببرنامج الأقمار الصناعية الصيني «شيجيان»، الذي يجمع بين الاستخدامات المعلنة في مجال الخدمة المدارية والقدرات التي يمكن استخدامها في مهام أخرى.

وتشير دراسة صادرة عن «ألدوريا» إلى أن الصين تستخدم أقمارًا صناعية قادرة على المناورة لتنفيذ عمليات اعتراض تدريجية والسيطرة على الفضاء من دون اللجوء إلى الضربات الحركية التي قد تنتج عنها كميات كبيرة من الحطام.

وتشمل قدرات هذه المنصات عمليات الالتقاء والاقتراب المعقدة، والتفتيش الدقيق، والتشويش الكهرومغناطيسي، والسحب المادي. كما أشار تقرير لمؤسسة جيمستاون إلى قدرات الخدمة المتقدمة لبرنامج «شيجيان» وإمكاناته في مجال مكافحة الفضاء.

وأظهر القمر الصناعي «شيجيان-21»، الذي يعلن عن استخدامه في الاختبارات العلمية وإزالة الحطام، قدرة على الإمساك بقمر صناعي آخر وسحبه لمسافة 3000 كيلومتر إلى مدار مقبرة.

كما أن «شيجيان-25» مزود بذراع روبوتية مدعومة بالذكاء الاصطناعي، ويعمل كناقلة وقود مدارية قادرة على نقل الوقود وإطالة فترات التشغيل.

وتشير هذه القدرات إلى تحول تدريجي في طبيعة التنافس الفضائي، حيث أصبحت المناورات والاقتراب والتشويش والعمليات المدارية المستمرة أدوات محتملة في الصراع.


سباق أميركي لمواجهة التهديدات

لا تقتصر الاستعدادات على الصين، إذ تعمل الولايات المتحدة على تعزيز قدراتها لمواجهة التهديدات المضادة للفضاء وحماية البنى التحتية الفضائية الحيوية.

وتنشر القوات الأميركية أسلحة كهرومغناطيسية أرضية لحماية شبكات الأقمار الصناعية، كما تطور طائرات فضائية سرية بدون طيار قادرة على إطلاق حمولات ثانوية والعمل إلى جانب أقمار صناعية قادرة على المناورة.

وفي أيلول 2025، نفّذت القوات الأميركية والبريطانية مناورة مشتركة بالقرب من القمر الصناعي الصيني «شيان-12-01»، في إطار إظهار قدرتهما على التعامل مع التهديدات المحتملة في الفضاء.

وفي ظل تداخل الاستخدامات المدنية للصيانة والخدمات المدارية مع القدرات التي يمكن توظيفها عسكريًا، يتجه الفضاء إلى أن يصبح ساحة أكثر تعقيدًا للمنافسة، حيث تكتسب القدرة على المناورة وإعادة التموضع والاستمرار في المدار أهمية متزايدة، فيما يبرز التزود بالوقود كإحدى التقنيات التي قد تعزز قدرة الأقمار الصناعية على الحركة والبقاء لفترات أطول.

Lighthouse
logo
close
سيكون لديك دائمًا ما تتحدث عنه!
من الأخبار العاجلة إلى آراء الكتّاب، مرورًا بنصائح صحية مفيدة, لا لحظة مملة هنا!
دائمًا هناك ما يستحق المشاركة.
illustration