في صحراء البجراوية بولاية نهر النيل شمال السودان، على بُعد نحو 200 كيلومتر شمال الخرطوم، تقف أهرامات مروي كأحد أقدم الشواهد الباقية على حضارة كوش، التي ازدهرت في وادي النيل قبل آلاف السنين.
لكنها تواجه اليوم اختباراً من نوع آخر، حرب عطّلت أعمال الحفظ، وسياحة تكاد تكون متوقفة، وبعثات أثرية غابت، فيما تواصل الرمال وعوامل التعرية عملها البطيء في موقع أدرجته منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو) على قائمة التراث العالمي.
ففي أحدث تقرير ميداني نشرته وكالة "أسوشييتد برس" في السادس من أغسطس الحالي، بدت مظاهر التدهور أكثر وضوحاً في الموقع، مع تراكم الرمال حول الأهرامات وداخل المعابد، ونمو النباتات، وتأثر الأحجار والنقوش بالأملاح وعوامل التعرية.
وقال حارس الموقع مصطفى أحمد إن الرمال "ازدادت بشكل كبير على الأهرامات وحتى داخل المعابد"، مضيفا أن العشب ينمو بكثافة.
لكن العبارة الأكثر إثارة للقلق جاءت في وصفه لحالة الأهرامات: "لقد تدهورت الأهرامات بشكل كبير، وبدأت الأحجار في التساقط".
ولا تتوقف المخاوف عند حدود ما تراه العين. وقال محمد مبارك، مفتش الآثار، إن الأملاح الناتجة عن تراكم الرمال تجمعت داخل المعابد الجنائزية، وبدأت تؤثر في الأحجار "الهشة بطبيعتها"، بما يهدد بتآكل النقوش القديمة.
وتضم البجراوية أكثر من 200 هرم ومقبرة ملكية تعود إلى مملكة كوش، إلى جانب معابد ومنشآت مرتبطة بمدينة مروي الملكية. وأدرجت اليونسكو الموقع على قائمة التراث العالمي عام 2011، باعتباره واحداً من أهم الشواهد على الحضارة الكوشية في وادي النيل.
لكن الحرب التي اندلعت في السودان في نيسان 2023 فرضت واقعا جديدا على الموقع. فقد تراجعت حركة السياحة، وغابت البعثات الأثرية، وأصبحت عمليات الوصول إلى المواقع وإجراء أعمال الترميم والصيانة أكثر صعوبة، في وقت تحتاج فيه الآثار إلى متابعة مستمرة لحمايتها من عوامل التلف.
فيما حذرت اليونسكو من أن نقص الموارد يعوق أعمال الصيانة والحفظ الضرورية في الموقع، في وقت تمثل فيه الرمال المتراكمة حول المقابر الملكية أحد أبرز التهديدات التي تواجهها.
هذا ولا تبدو الرمال خطراً دراماتيكياً في العادة، لكنها بالنسبة إلى موقع أثري هش قد تتحول إلى مشكلة متراكمة. فهي تتحرك مع الرياح، وتتجمع حول الأهرامات وداخل بعض المنشآت، ويمكن أن تحتفظ بالرطوبة وتزيد من تأثير الأملاح وعوامل التعرية في الأحجار. وتزداد المشكلة تعقيدا عندما تتوقف الصيانة.
فالتلف الأثري لا يبدأ بالضرورة بانهيار كبير. قد يبدأ بتآكل حجر، أو تشقق صغير، أو فقدان جزء من نقش، ثم يتسع الضرر مع مرور الوقت.
لهذا فإن الخطر الحقيقي على أهرامات مروي لا يتمثل فقط في احتمال سقوط أحد أحجارها، بل في فقدان تفاصيل صغيرة من الموقع قد لا يمكن استعادتها لاحقا.
وفي البجراوية، لا تحفظ الأهرامات قبور الملوك فقط، بل تحمل المعابد والنقوش والمنشآت أجزاء من تاريخ مملكة كوش ومعتقداتها وحياتها السياسية والدينية. فكل نقش يتآكل يعني فقدان جزء من المعرفة. وكل حجر يسقط يعني خسارة جزء من سجل حضاري لا يمكن إعادة بنائه إذا اختفت شواهده.
وهنا تكمن المفارقة: حضارة انتهت منذ أكثر من ألف عام، لكن آثارها بقيت حتى اليوم. أما الحرب الحديثة، فقد تهدد الوسائل التي سمحت لهذه الآثار بالصمود.
فهل تنجو أهرامات مروي من الحرب والإهمال وعوامل الطبيعة، أم يصبح ما تبقى من إرث كوش يوما ما «أثرًا بعد عين»؟
2 min read