يواجه الرئيس الأميركي دونالد ترامب معضلة سياسية متزايدة مع استمرار الحرب الأميركية على إيران، في ظل تراجع شعبية الصراع داخل الولايات المتحدة، مقابل استمرار الدعم القوي له من قاعدة انتخابية مؤثرة تضم الصهاينة المسيحيين والإنجيليين المؤيدين بشدة لـ"إسرائيل".
فمنذ اندلاع الحرب في مطلع آذار 2026، ارتفعت نسبة الأميركيين المعارضين للصراع من 46% إلى 57%، وفق بيانات استطلاعات الرأي التي جمعها نيت سيلفر. وفي المقابل، يحتاج ترامب إلى قاعدة دعم ثابتة للمجهود العسكري، في وقت لا تتجاوز فيه نسبة تأييده العام 38%.
وتبرز جماعة "المسيحيون المتحدون من أجل إسرائيل" (CUFI) باعتبارها واحدة من أبرز مصادر الدعم الشعبي والسياسي لترامب في هذا الملف، كما وتقود المنظمة، التي يرأسها القس جون هاجي، حملة قوية لدعم "إسرائيل" ومواجهة إيران، وتقول إنها تضم نحو 10 ملايين عضو، ما يجعلها قوة مؤثرة داخل القاعدة الجمهورية، بحسب " theconversation".
دعم إنجيلي للحرب
خلال المؤتمر السنوي الأخير للمنظمة في واشنطن، والذي حضره آلاف المؤيدين للعلاقات الأميركية الإسرائيلية الوثيقة، إلى جانب السفير الإسرائيلي لدى الولايات المتحدة، شدد هاجي على ضرورة منع إيران من امتلاك سلاح نووي.
وقال إن القضية تتعلق بما إذا كان ينبغي السماح لنظام يرعى الإرهاب ويهدد "إسرائيل" بالوجود، مؤكداً أن "إسرائيل" تملك الحق في منع وضع "سيف نووي" على رقبة الشعب اليهودي.
ولا يرتبط هذا الموقف فقط بحسابات سياسية، بل يستند لدى قطاع من الإنجيليين الأميركيين إلى معتقدات دينية متجذرة في تيارات لاهوتية تعرف باسم "التدبيرية"، وهي رؤية تقسم التاريخ إلى مراحل يُعتقد أنها محددة في الخطة الإلهية.
وترتبط الصهيونية المسيحية الحديثة، التي برز نفوذها بصورة أكبر بعد قيام "إسرائيل" عام 1948، بتفسير ديني يرى أن عودة اليهود إلى الأراضي المقدسة تمثل جزءاً من الأحداث المرتبطة بنهاية الزمان وعودة المسيح.
وتعود جذور هذه الأفكار إلى القرن التاسع عشر، عندما روّج الباحث في الكتاب المقدس جون نيلسون داربي لنظرية تقسم تاريخ العالم إلى سبع مراحل، وتنتهي بعودة المسيح وبداية حكمه الألفي. ووفق هذا التصور، يلعب الشعب اليهودي دوراً محورياً في المرحلة الأخيرة، ما جعل دعم "إسرائيل" جزءاً أساسياً من عقيدة بعض الجماعات الإنجيلية.
ومن هذا المنطلق، يرى الصهاينة المسيحيون أن أمن "إسرائيل" ليس مجرد قضية تتعلق بالسياسة الخارجية الأميركية، وإنما عنصر أساسي في رؤيتهم الدينية والسياسية للعالم.
مفاوضات ترامب تثير القلق
تزداد المعضلة تعقيداً مع إعلان ترامب مؤخراً استئناف المفاوضات مع إيران، بعد أن ساهمت الاتصالات بين الطرفين في تهدئة مؤقتة للتوتر. ومع ذلك، قال الرئيس الأميركي لاحقاً إن الولايات المتحدة تتفاوض مع طهران بصورة جزئية فقط.
لكن هذا التوجه الدبلوماسي يثير مخاوف لدى أكثر مؤيدي ترامب حماسة من الصهاينة المسيحيين، الذين يرون أن أي تسوية لا تضمن تحييد التهديد الإيراني قد تعرض أمن "إسرائيل" للخطر.
وخلال مؤتمر "المسيحيون المتحدون من أجل إسرائيل"، دعا القس راسل جونسون القيادة السياسية الأميركية إلى مواصلة الحرب حتى تحقيق أهدافها، محذراً من أن الرغبة في التوصل إلى اتفاق دبلوماسي لا ينبغي أن تمنع "إسرائيل" من القضاء على ما يراه تهديداً وجودياً.
ويعكس هذا الموقف اتجاهاً أوسع داخل القاعدة الإنجيلية المؤيدة لــ"إسرائيل"، حيث يُنظر إلى الحرب ضد إيران باعتبارها مواجهة تتجاوز الحسابات العسكرية التقليدية، وتمتد إلى أبعاد دينية وروحية.
ويرى أنصار هذا التيار أن تحييد إيران يخدم أمن "إسرائيل" والمصالح الأميركية في الوقت نفسه، كما يتوافق، من وجهة نظرهم، مع تفسير ديني للوعود الواردة في الكتاب المقدس بشأن دعم الشعب اليهودي.
ترامب بين الرأي العام وقاعدته
يضع هذا الانقسام ترامب أمام معادلة سياسية صعبة. فمن ناحية، تشير استطلاعات الرأي إلى أن غالبية الأميركيين باتوا يعارضون الحرب، ما يعني أن استمرار العمليات العسكرية قد يزيد الضغوط على البيت الأبيض ويعمق التراجع في شعبية الرئيس.
ومن ناحية أخرى، فإن إنهاء الحرب أو التوصل إلى اتفاق مع إيران قد يؤدي إلى استياء جزء من أكثر قواعد ترامب ولاءً، وفي مقدمتها الصهاينة المسيحيون الذين يرون أن أي تسوية غير حاسمة مع طهران قد تمثل تراجعاً عن حماية "إسرائيل".
ويبدو أن سياسة ترامب الحالية، القائمة على الموازنة بين الضربات العسكرية والتهديد بالتصعيد من جهة، وفتح قنوات التفاوض من جهة أخرى، لا تضمن إرضاء أي من الطرفين.
فاستمرار الحرب قد يزيد الفجوة بين ترامب والرأي العام الأميركي، بينما قد يؤدي إنهاؤها من دون تحقيق أهداف واضحة إلى إثارة غضب قاعدته الإنجيلية المؤيدة لـ"إسرائيل".
وبينما يحاول الرئيس الأميركي الحفاظ على هامش للمناورة، تظل الجماعات الصهيونية المسيحية من أكثر القوى استعداداً لمواصلة دعمه إذا قرر تصعيد المواجهة مع إيران.
أما التحدي الحقيقي أمام ترامب، فيكمن في تحديد أي تكلفة سياسية ستكون أكبر: خسارة مزيد من تأييد الأميركيين الرافضين للحرب، أم إغضاب قاعدة انتخابية ترى في استمرار المواجهة جزءاً من معركة دينية واستراتيجية أوسع.
الكلمات الدالة
الأكثر قراءة
عاجل 24/7
-
20:15
مصدر لـ "رويترز": من غير المرجح أن تقبل الولايات المتحدة و"إسرائيل" تدخل الأمم المتحدة في موضوع القوات الأجنبية
-
20:15
مصدر لـ"رويترز": المناقشات بشأن الدول المرشحة للتحقق من آلية نزع سلاح حزب الله في جنوبي لبنان لا تزال في مراحلها الأولى
-
20:15
رئيس التيار الوطني الحر النائب جبران باسيل: إقرار العفو العام سقطة بحق العدالة وتشجيع على الإفلات من العقاب
-
20:14
مصادر لـ "رويترز": لبنان و"إسرائيل" اتفقا على ترشيح بريطانيا وإيطاليا وسويسرا وإندونيسيا للتحقق من نزع سلاح حزب الله
-
20:05
الرئيس سلام: إن إقرار قانون إعادة هيكلة القطاع المصرفي اليوم خطوة إصلاحية أساسية تمهّد لاقرار قانون الانتظام المالي واستعادة الودائع الذي طال انتظاره
-
18:51
تعذّر انعقاد جلسة مجلس النواب لعدم اكتمال النصاب
