بدأت سفن تجارية روسية تعبر البحر الأسود اتخاذ إجراءات دفاعية غير اعتيادية لحمايتها من هجمات الطائرات المسيّرة الأوكرانية، من بينها تغطية أجزاء من السفن بالشباك، وتركيب هياكل معدنية تشبه الأقفاص، واعتماد أنماط تمويه هندسية تستحضر أساليب عسكرية استخدمت خلال الحربين العالميتين الأولى والثانية.
وأفادت صحيفة "فايننشال تايمز" بأن هذه الإجراءات تكشف عن تنامي المخاطر التي تواجه السفن التجارية في البحر الأسود، حيث أصبحت الطائرات المسيّرة الجوية والبحرية جزءاً رئيسياً من العمليات العسكرية الأوكرانية ضد المصالح الروسية.
ناقلة نفط تتحول إلى "قفص حماية"
من أبرز الأمثلة على هذه الإجراءات ناقلة النفط "كاروزو"، وهي سفينة من طراز "سويزماكس" يبلغ عمرها 28 عامًا، وتحمل رقم المنظمة البحرية الدولية 9137648. ووفقًا لخدمة مراقبة الشحن TankerTrackers، عبرت الناقلة إسطنبول محملة بنحو مليون برميل من النفط الخام الروسي، بينما ترفع علم سيراليون.
وأظهرت صور للناقلة أن طاقمها غطى الهيكل العلوي بالكامل تقريبًا بشباك كثيفة، في محاولة يُعتقد أنها تهدف إلى توفير حماية من الطائرات المسيّرة الأوكرانية.
كما ظهرت هياكل معدنية تشبه الأقفاص على جانبي مؤخرة السفينة، ورجحت TankerTrackers أنها صُممت لحماية غرفة المحرك من هجمات الطائرات المسيّرة البحرية.
ولا تقتصر الإجراءات الدفاعية على الحماية المادية، إذ أظهرت بيانات "ستاربورد ماريتايم إنتليجنس" أن "كاروزو" دأبت على إيقاف نظام التعرف الآلي "AIS" قبل دخول البحر الأسود منذ يوليو 2025؛ ما أدى إلى ظهور فجوات في بيانات موقعها وجعل تتبع تحركاتها أكثر صعوبة.
وتُعد الناقلة أيضًا جزءًا من شبكة نقل النفط الروسي التي تخضع لمراقبة دولية. فقد صنفتها الاستخبارات العسكرية الأوكرانية ضمن السفن المتورطة في تصدير النفط والمنتجات البترولية الروسية، في سياق التحايل على العقوبات وسقف الأسعار الذي تفرضه مجموعة السبع.
وبحسب الاستخبارات الأوكرانية، تشارك "كاروزو" في هذه العمليات منذ أكتوبر 2023 على الأقل، كما شاركت في يناير 2024 في عملية نقل نفط من سفينة إلى أخرى بالقرب من مضيق كيرتش مع ناقلات خاضعة للعقوبات.
وتشير بيانات تتبع السفن إلى أن نشاط "كاروزو" لا يقتصر على البحر الأسود؛ إذ شملت رحلاتها موانئ في تركيا والصين والهند وماليزيا والمغرب ومصر وفيتنام، إلى جانب موانئ روسية.
سفينة شحن بطلاء يحاكي تمويه الحرب
وفي تطور آخر، لفتت سفينة الشحن الروسية "ميشتا إس" الأنظار في ميناء حيدر باشا بإسطنبول بسبب تصميم طلاء غير مألوف غطى جوانبها ومقدمتها ومؤخرتها وبنيتها العلوية.
وكان البحار التركي وقائد الأسطول التجاري مراد فيرتينا رصد السفينة في 10 أغسطس، والتقط لها صورًا من عبّارة كانت تمر بالقرب منها.
وتعود "ميشتا إس"، التي تحمل رقم المنظمة البحرية الدولية 8419659، إلى عام 1987، ويبلغ طولها نحو 119 مترًا، فيما ترفع العلم الروسي. وكانت السفينة تُعرف سابقًا باسم "سورموفسكي-3059"، وتنتمي إلى فئة من سفن الشحن السوفيتية المصممة للعمل في البحر الأسود وعلى الخطوط النهرية البحرية.
لكن ما جذب الانتباه لم يكن عمر السفينة أو تصميمها، بل نمط الطلاء الهندسي الذي يغطي هيكلها بأشكال حادة باللون الأزرق والأزرق الداكن والأبيض والرمادي.
ورأى فيرتينا أن التصميم يشبه ما يعرف بـ"التمويه الخادع"، وهو أسلوب انتشر على السفن الحربية خلال الحرب العالمية الأولى، واستخدم أيضًا في الحرب العالمية الثانية.
ولم يكن الهدف من ذلك التمويه إخفاء السفينة بالكامل، بل تشويه شكلها بصريًا من خلال أنماط هندسية عالية التباين، بما يصعّب تحديد اتجاه حركتها وحجمها وموقع مقدمتها ومؤخرتها، وكذلك تقدير نقاط استهدافها.
وتشير الصور القديمة للسفينة إلى أن هذا النمط لم يكن جزءًا من تصميمها الأصلي؛ ما يرجح أنه أضيف إليها في مرحلة لاحقة.
وقال فيرتينا إن ظهور هذا النوع من الطلاء على سفينة تجارية في البحر الأسود عام 2026 قد لا يكون مجرد خيار جمالي، في ظل تعرض السفن التجارية لخطر الطائرات المسيّرة الجوية والبحرية.
إصلاحات في تركيا قبل ظهور التمويه
تضيف تحركات "ميشتا إس" الأخيرة مزيدًا من التساؤلات حول توقيت إضافة الطلاء الجديد. فبحسب بيانات "ستاربورد ماريتايم إنتليجنس"، كانت السفينة قد رست في ميناء نوفوروسيسك الروسي قبل وصولها إلى تركيا.
وبعد ذلك وصلت إلى يالوفا، أحد أبرز مراكز إصلاح السفن في تركيا، في نحو 15 يوليو، وبقيت هناك حتى 10 أغسطس، أي لمدة تقارب 26 يومًا، قبل ظهورها في إسطنبول بالطلاء الهندسي الجديد.
ولا تظهر السفينة حتى الآن ضمن قوائم أوكرانيا الخاصة بسفن "الأسطول الظل"، كما أنها لم تخضع للعقوبات، وفق البيانات المتاحة.
ومع ذلك، تكشف سجلاتها عن نشاط واسع في البحر الأسود. فقد سجلت "ستاربورد" 83 زيارة إلى ميناء نوفوروسيسك، بإجمالي تجاوز 72 يومًا، بينما شملت رحلاتها موانئ في روسيا وتركيا وأوكرانيا وإيطاليا واليونان وبلغاريا ورومانيا وجورجيا وإسرائيل ومصر وكرواتيا وقبرص وكازاخستان وتركمانستان.
كما تتضمن بيانات التتبع فجوات كبيرة في نظام "AIS". فمن أصل 3294 يومًا تغطيها البيانات، لم تتوفر معلومات عن موقع السفينة لنحو 930 يومًا وست ساعات، أي ما يقارب 28% من الفترة المرصودة.
وسجلت "ستاربورد" كذلك مجموعة من عوامل المخاطر المرتبطة بالسفينة، من بينها عدم تمكنها من تأكيد تطابق العلم الروسي المعلن مع سجلاتها، أو التحقق من وجود تأمين معروف للحماية والتعويض البحري "P&I". كما رست السفينة بصورة متكررة في موانئ بدول توصف مستويات الفساد فيها بأنها مرتفعة نسبيًا.
البحر الأسود يتحول إلى بيئة أكثر خطورة للسفن التجارية
وتعكس إجراءات "كاروزو" و"ميشتا إس" تحولًا لافتًا في طبيعة المخاطر التي تواجه السفن التجارية في البحر الأسود. فمع توسع استخدام أوكرانيا للطائرات المسيّرة الجوية والبحرية لاستهداف الأصول الروسية، بدأت بعض السفن التجارية في تبني وسائل حماية كانت مرتبطة تاريخيًا بالسفن العسكرية.
ومن الشباك التي تغطي أجزاء من السفن إلى الأقفاص المعدنية والطلاءات الهندسية، تبدو الإجراءات الجديدة محاولة لتقليل فرص الإصابة أو إرباك وسائل الاستهداف، حتى وإن كانت فعاليتها العسكرية الدقيقة غير مؤكدة.
كما أن إيقاف أنظمة التتبع البحري يضيف طبقة أخرى من الغموض إلى حركة بعض السفن، خصوصًا تلك المرتبطة بنقل النفط الروسي أو التي تعمل في مناطق تشهد نشاطًا عسكريًا متزايدًا.
وبذلك، لا تبدو الحدود بين السفن التجارية والعسكرية في البحر الأسود واضحة كما كانت من قبل؛ إذ باتت السفن المدنية مضطرة إلى تبني وسائل تمويه وحماية في بيئة بحرية أصبحت فيها المسيّرات قادرة على تحويل رحلة تجارية عادية إلى عملية محفوفة بمخاطر عسكرية مباشرة.
الكلمات الدالة
الأكثر قراءة
عاجل 24/7
-
16:35
وزارة الداخلية بغزة: اغتيال مدير شرطة محافظة غزة في قصف إسرائيلي استهدف مركبته على شارع الرشيد بمدينة غزة
-
16:24
السعودية: أمر ملكي بإعادة تشكيل مجلس الوزراء برئاسة الأمير محمد بن سلمان وبأعضائه الحاليين
-
16:24
جرافات اسرائيلية تدخل بني حيان وتباشر جرف المنازل
-
15:18
إعلام رسمي نقلًا عن القيادة الموحدة للقوات المسلحة الإيرانية: غير مسموح لأي سفينة بالمرور عبر مضيق هرمز من دون إذن طهران
-
14:54
وزير الدولة لشؤون التنمية الإدارية فادي مكي قبيل جلسة مجلس الوزراء: المشكلة بين وزير الدفاع ورئيس الحكومة "عم تنحل"
-
14:46
قيادة الجيش: سنقوم بتفجير ذخائر غير منفجرة في بلدة كفرفالوس - جزين ما بين الساعة 14:15 والساعة 15:15
