اشترك مجانا بقناة الديار على يوتيوب

نشرت مجلة “ذي نيويوركر” تقريرًا أعده إيشان ثارور، قال فيه إن تراجع مكانة “إسرائيل” الدولية دفعها إلى البحث عن حلفاء في داخل اليمين المتطرف.

وأشار إلى حفل تنصيب الرئيس الكولومبي الجديد، أبيلاردو دي لا إسبريلا، الذي تميز بحضور عدد من حلفائه الأيديولوجيين من مختلف أنحاء القارة اللاتينية. وكان من بين الحضور في الحفل الذي أقيم في مدينة كالي جنوب غربي البلاد يوم الجمعة، الرئيس الأرجنتيني خافيير ميلي، والرئيس الإكوادوري دانيال نوبوا، والرئيس التشيلي خوسيه أنطونيو كاست، الذين يبدو أن انتصاراتهم الانتخابية، إلى جانب نجاح دي لا إسبريلا في حزيران، وانتصارات اليمين في بيرو وبوليفيا، ترسخ تحولًا أوسع في السياسة الأمريكية اللاتينية.

وترأس الوفد الأمريكي تود بلانش، المحامي الشخصي السابق للرئيس دونالد ترامب، والذي كان لا يزال ينتظر المصادقة على تعيينه وزيرًا للعدل الأمريكي. كما كان من بين الشخصيات البارزة الحاضرة وزير الخارجية “الإسرائيلي” جدعون ساعر، الذي جاء إلى كولومبيا في إطار مهمة أوسع لتعزيز الدعم لـ“إسرائيل”.

ولم يخيب أمله، ففي يوم الاثنين تعهد دي لا إسبريلا بنقل السفارة الكولومبية إلى القدس، واعترف بالسيادة “الإسرائيلية” على مرتفعات الجولان.

وهذه الخطوة الأخيرة، التي كانت من أوائل قرارات دي لا إسبريلا في منصبه، جعلت كولومبيا الدولة الوحيدة في العالم، إلى جانب الولايات المتحدة، التي تعتبر الأراضي التي ضمتها جزءًا من “إسرائيل”. كما تخطط حكومة دي لا إسبريلا لسحب دعمها لقضية الإبادة الجماعية التي رفعتها جنوب أفريقيا ضد “إسرائيل” أمام محكمة العدل الدولية.

ووصف ساعر، في تصريح له يوم 10 آب، الاعتراف بسيادة “إسرائيل” على هضبة الجولان بأنه عمل “تاريخي” لدعم الدولة العبرية. وبعد لقائه مع دي لا إسبريلا قبل يوم من حفل التنصيب، أشاد ساعر بـ“عصر ذهبي جديد في العلاقات بين كولومبيا وإسرائيل”.

وبالنسبة لساعر، فقد كان هذا تغييرًا ترحب به “إسرائيل”، التي كانت تخوض حملة دبلوماسية عامة وعلى عدة جبهات، بما فيها الولايات المتحدة. وقد تبددت الكثير من النوايا الحسنة والتعاطف الذي مُنح لـ“إسرائيل” بعد هجمات 7 تشرين الأول 2023. كما أثر النفور من حكومة رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو اليمينية والإرث المدمر لحربها في غزة، فضلًا عن استمرار مهاجمة المستوطنين للفلسطينيين في الضفة الغربية، على نتائج بعض الانتخابات التمهيدية في أمريكا.

وكشفت عدة استطلاعات في وقت سابق من هذا الصيف أن ما يقرب من ثلثي الأمريكيين المستطلعة آراؤهم لديهم نظرة سلبية تجاه حكومة نتنياهو، بينما كشف استطلاع آخر أن غالبية الأمريكيين يريدون تقليص الدعم العسكري لـ“إسرائيل” أو إنهاءه. ويصف بعض المرشحين الديمقراطيين في انتخابات التجديد النصفي المقبلة سلوك “إسرائيل” علنًا بأنه إبادة جماعية، مما يعكس وجهة نظر يشترك فيها حاليًا جزء كبير من القاعدة الديمقراطية.

ولا يقتصر الأمر على الديمقراطيين، بل هناك توترات حتى بين الجمهوريين أنفسهم. ففي الشهر الماضي، انتقد نائب الرئيس جيه دي فانس شخصيات داخل “المنظومة” “الإسرائيلية” بتهمة “التلاعب بالرأي العام الأمريكي ومحاولة تغييره” لصالح استمرار الحرب في إيران.

وقد رفض سفير “إسرائيل” في واشنطن، يحيئيل لايتر، ما يقال عن توتر في العلاقات الأمريكية-“الإسرائيلية”، عندما سأله الكاتب في تموز خلال فعالية استضافها مجلس العلاقات الخارجية في واشنطن العاصمة. وأكد أنه لم يلحظ “أدنى قدر من العداء تجاه إسرائيل” بعد “عشرات الاجتماعات” مع فانس.

وألقى باللوم في تراجع مكانة “إسرائيل” في نظر الرأي العام العالمي على جيل شاب متأثر بشكل مفرط بوسائل التواصل الاجتماعي، رافضًا الادعاء بأن “إسرائيل” وحيدة في هذا الوضع، وأشار إلى العلاقات الدفاعية المتنامية مع الهند والتعاون الوثيق مع الإمارات العربية المتحدة وأذربيجان، وقال: “لدينا الكثير من الأصدقاء”.

لكن أعداد منتقدي “إسرائيل” قد ازدادت بلا شك، وقد أجرى مركز “بيو” للأبحاث استطلاعًا للرأي العام حول “إسرائيل” في 35 دولة أخرى، ووجد أن هناك توجهات سلبية واسعة النطاق تجاه “إسرائيل”. وفيما حاولت حكومات مختلفة فرض عقوبات على “إسرائيل”، لا سيما من خلال إجراءات رمزية، فقد استدعت دول مثل البرازيل وجنوب أفريقيا سفراءها، واعترفت إسبانيا والنرويج بدولة فلسطينية في الأمم المتحدة، وحثت شركاءها الأوروبيين على تشديد العقوبات على الكيانات الاستيطانية “الإسرائيلية” وإعادة النظر في الاتفاقيات القائمة مع “إسرائيل”.

ودعا آخرون، بمن فيهم تحالف دول الجنوب العالمي المعروف باسم مجموعة لاهاي، إلى فرض حظر عاجل على مبيعات الأسلحة وإنفاذ أوامر المحكمة الجنائية الدولية، كما نددوا في كل مناسبة بانتهاكات “إسرائيل” المزعومة للقانون الدولي، فضلًا عن نفاق الولايات المتحدة في حماية “إسرائيل” من اللوم ومساعدتها العسكرية.

ومع أن نتنياهو وحلفاءه يرفضون الانتقادات باعتبارها صورة عن معاداة السامية المتأصلة، ويصورون مؤسسات مثل الأمم المتحدة على أنها منحازة بشكل لا رجعة فيه، فقد شنوا هجمات لاذعة على وسائل التواصل الاجتماعي ضد عدد من القادة الأجانب، بمن فيهم شخصيات وسطية مؤيدة لـ“إسرائيل” ظاهريًا، مثل الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، الذي أثار غضب نتنياهو بمحاولته إعادة إحياء الاهتمام الدولي بحل الدولتين المتعثر بين “الإسرائيليين” والفلسطينيين.

وقد تجنبت “إسرائيل” تقليديًا الحوار الرسمي مع أحزاب اليمين المتطرف في أوروبا، حيث تعود جذور العديد من الفصائل إلى حركات الفاشية الجديدة التي ظهرت بعد الحرب العالمية الثانية. لكن في العام الماضي، أصدر ساعر تعليماته للدبلوماسيين “الإسرائيليين” بإنشاء قنوات اتصال مع حزب التجمع الوطني الفرنسي، وحزب فوكس القومي المتطرف الإسباني، وحزب ديمقراطيو السويد اليميني المتطرف، وكلها تتبنى برامج معادية للإسلام بشدة.

ومن هنا، فإن شعور القيادة “الإسرائيلية” الحالية بتضامن أكبر مع القوميين الأوروبيين مقارنة بتضامنها مع المؤسسة السياسية في القارة يعد مفارقة غريبة في الوقت الراهن. ففي الشهر الماضي، استضاف أعضاء من حزب الليكود بزعامة نتنياهو، بمن فيهم ساعر ووزير الدفاع يسرائيل كاتس، زعيم اليمين المتطرف الهولندي خيرت فيلدرز.

وقد نشر فيلدرز صورة له وهو يتناول الفلافل في القدس، وتجول في مستوطنة غير شرعية في الضفة الغربية برفقة زعيم مستوطنين معروف، كان البرلمان الهولندي قد أصدر قرارًا ضده يدعو إلى فرض عقوبات من الاتحاد الأوروبي. ووصف ساعر فيلدرز بأنه “زعيم شجاع وصديق حقيقي لإسرائيل”.

وأضاف ثار أن “إسرائيل” باتت في أمريكا اللاتينية مصدرًا للاستقطاب السياسي الحاد؛ إذ لا يزال اليساريون يستحضرون تاريخ الحرب الباردة المتمثل في تقديم “إسرائيل” مساعدات لعدد من الديكتاتوريات العسكرية المتحالفة مع الولايات المتحدة، فيما ينظر اليمين إلى القضية الفلسطينية والجماعات المسلحة كحماس وحزب الله، المرتبط بهجمات إرهابية دامية في الأرجنتين، بنفس النظرة التي ينظر بها إلى المتشددين اليساريين الفوضويين الذين سعى طويلًا إلى قمعهم.

ويؤدي هذا التوجه إلى تضارب في السياسة الخارجية. ففي كانون الأول الماضي، أعادت الحكومة البوليفية اليمينية الجديدة العلاقات مع “إسرائيل” التي كانت قد علقتها الحكومات اليسارية السابقة. وأرسل كاست، رئيس تشيلي الذي تولى منصبه في آذار وهو من معجبي الديكتاتور السابق أوغستو بينوشيه، سفير بلاده إلى “إسرائيل” ليحل محل السفير الذي استدعاه سلفه المنتمي إلى يسار الوسط قبل عامين.

وقد زار ميلي “إسرائيل” ثلاث مرات منذ توليه منصبه عام 2023، وفي وقت سابق من هذا العام، في القدس، منح وسام الشرف الرئاسي، وهو أعلى وسام مدني في “إسرائيل”. وفي آذار، خلال خطاب ألقاه في جامعة يشيفا بمدينة نيويورك، قال ميلي إنه “فخور بكونه الرئيس الأكثر صهيونية في العالم”. وبعد شهر، أعلن هو ونتنياهو عن “اتفاقيات إسحاق”، وهي إطار عمل غامض يهدف إلى تعميق العلاقات بين “إسرائيل” وأمريكا اللاتينية، ومستوحى من “اتفاقيات إبراهيم” التي قادها ترامب بين “إسرائيل” وعدد قليل من الدول العربية.

وفي العامين الماضيين، توجه العديد من السياسيين اليمينيين من أمريكا اللاتينية إلى حائط البراق في القدس، بمن فيهم فلافيو بولسونارو، نجل الرئيس البرازيلي السابق المسجون جايير بولسونارو.

ويترشح بولسونارو الابن للرئاسة في تشرين الأول. وإذا فاز على الرئيس الحالي، اليساري لويس إيناسيو لولا دا سيلفا، الذي أغضب المسؤولين “الإسرائيليين” عندما شبه الحرب في غزة بالهولوكوست، تعهد بأن يحذو حذو بعض جيرانه وينقل سفارة البرازيل إلى القدس.

ويعتقد الكاتب أن هناك عدة عوامل تدفع هذه الأجندات، منها نمو المسيحية الإنجيلية في أمريكا اللاتينية، الذي أدى إلى تعميق الالتزامات تجاه “إسرائيل” لدى اليمين. ويشير أوليفر ستوينكل، وهو زميل برازيلي ألماني بارز في وقفية كارنيغي للسلام الدولي، إلى أن رفض “إسرائيل” للأمم المتحدة والمحكمة الجنائية الدولية وغيرها من عناصر النظام الدولي يندرج ضمن سياسات اليمين الجديد في أمريكا اللاتينية.

وقال للكاتب: “يعد دعم إسرائيل عنصرًا هامًا في نقد أوسع للتعددية، وللعولمة”. ثم، بالطبع، هناك دونالد ترامب.

وقال ستوينكل: “إذا كنت رئيسًا لإحدى دول أمريكا اللاتينية وترغب في دعم الولايات المتحدة لك في مكافحة الجريمة المنظمة وتوسيع نطاق التعاون الأمني والوصول إلى المعلومات الاستخباراتية والأسلحة الأمريكية، أو إذا كنت ترغب في الحصول على مزيد من النفوذ لإلغاء بعض الرسوم الجمركية التي فرضتها الولايات المتحدة على دول أمريكا اللاتينية، فإن ذلك سيصعب عليك الظهور كحليف في نظر إدارة ترامب”.

الكلمات الدالة